شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣
من القوة بحيث يتصرف في أجسام أخر غير بدنها، بل في كلية العناصر، حتى كأنها نفس لعالم العناصر.
و الثالث: الإمساك عن القوت مدة غير معتادة، و ليس ببعيد كما في بعض الأمراض لاشتغال الطبيعة بهضم الأخلاط الفاسدة، و تحليل المواد الردية عن تحليل المواد المحمودة و الرطوبات الأصلية المحوج إلى البدل، فيجوز في حق الأشخاص الكاملة لانجذاب نفوسهم إلى جناب القدس بالكلية، و استتباعها القوى الجسمانية التي بها الهضم و الشهوة و التغذية و ما يتعلق بذلك، بل لا يبعد أن يكون هذا من حق هؤلاء أولى و أقرب منه في المرض لكون احتياج المريض إلى الغذاء أوفر و أوفى [١] أما أولا فلتحلل رطوباته بسبب الحرارة الغريبة المسماة بسوء المزاج [٢].
و أما ثانيا فلفرط احتياجه إلى حفظ القوى البدنية بحفظ الرطوبات التي بها تعتدل الحرارة الغريزية، و ذلك لما عرض لها بسبب المرض المضاد لها من الفتور.
و أما ثالثا فلاختصاص العارف بأمر يقتضي الاستغناء عن الغذاء، و هو السكون البدني الحاصل بسبب ترك القوى البدنية أفاعيلها عند متابعتها النفس.
و أما تقريرهم لنزول الوحي و ظهور الملك مع أنه من المجردات [٣] دون الأجسام، فهو أن النائم و من يجري مجراه في عدم استيلاء الحواس عليه قد يشاهد صورا غريبة، و يسمع أصواتا عجيبة، و ليست بمعدومة صرفة و لا موجودة في الخارج، بل في القوة المتخيلة و الحس المشترك، و ربما لا يكون متأدية إليه من طرق الحواس الظاهرة، بل من عالم آخر، فلا يبعد أن يكون لبعض أفراد الإنسان
- كحلول ماء الورد في الورد فيسمى الساري حالا، و المسرى فيه محلا.
الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفا للآخر كحلول الماء في الكوز.
[١] في (ب) أكثر بدلا من (أوفى).
[٢] المزاج: كيفية متشابهة تحصل عن تفاعل عناصر منافرة لأجزاء مماسة بحيث تكسر سورة كل منها سورة كيفية الآخر.
[٣] المجردات: المجرد. ما لا يكون محلا لجوهر و لا حالا في جوهر آخر و لا مركبا منهما على اصطلاح أهل الحكمة.