شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١١٢
و ليست الثانية إلّا في القبر. يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ [١] و لقوله صلى اللّه عليه و سلّم: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران» [٢] و الأحاديث في هذا الباب متواترة المعنى. تمسك المنكرون بالسمع و العقل.
أما السمع فقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [٣] و لو كان في القبر حياة- و لا محالة- يعقبها موت لكان قبل الجنة موتتان.
و قوله: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [٤].
و قوله تعالى حكاية: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [٥] و لو كان في القبر إحياء لكانت الإحياءات ثلاثة في الدنيا، و في القبر، و في الحشر.
و الجواب- أنّ إثبات الواحد أو الاثنين لا ينافي الثاني و الثالث. ثم الظاهر أن قوله تعالى: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:
الإحياء في الآخرة، و لم يتعرض لما في القبر، لأنه لخفاء أمره، و ضعف أثره لا يصلح في معرض الترغيب في الإيمان، و التعجيب من الكفر، و أن قولهم: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [٦]:
في الدنيا و في القبر. و ترك ما في الآخرة لأنه معاين. و قيل: بل القبر و الحشر، لأن المراد إحياء يعقبه علم ضروري باللّه، و اعتراف بالذنوب، و أما العقل فلأن اللذة و الألم و المكالمة، و نحو ذلك تتوقف على الحياة المتوقفة
[١] سورة آل عمران آية رقم ١٦٩، ١٧٠.
[٢] الحديث رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة ٢٦ باب ٢٤٦٠ حدثنا محمد بن أحمد بن مدوبه، حدثنا القاسم بن الحكم العرني حدثنا عبد اللّه بن الوليد الوصافي عن عطيه عن أبي سعيد قال و ذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
[٣] سورة الدخان آية رقم ٥٦.
[٤] سورة البقرة آية رقم ٢٨.
[٥] سورة غافر آية رقم ١١.
[٦] سورة غافر آية رقم ١١ و تكملة الآية فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ.