شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٩٩
أصحابنا بقاء قائم بالجسم يخلق اللّه فيه حالا فحالا. و قال إمام الحرمين الأعراض التي تحت اتصاف الجسم بها. و قال القاضي في أحد قوليه: الأكوان التي يخلقها فيه حالا فحالا. و قال: النظام [١] خلقه لأنه ليس بباق، بل يخلق حالا فحالا.)
قد سبقت في مباحث الجسم إشارة إلى أن الأجسام باقية، غير متزايلة على ما يراه النظام، و قابلة للفناء، غير دائمة للبقاء على ما يراه الفلاسفة قولا بأنها أزلية أبدية. و الجاحظ [٢]، و جمع من الكرامية [٣] قولا بأنها أبدية، غير أزلية. و توقف أصحاب أبي الحسين في صحة الفناء، و اختلف القائلون بها في أن الفناء بإعدام معدم، أو بحدوث ضد، أو بانتفاء شرط.
اما الأول- فذهب القاضي، و بعض المعتزلة إلى أن اللّه تعالى يعدم العالم بلا واسطة، فيصير معدوما كما أوجده كذلك، فصار موجودا. و ذهب أبو الهذيل إلى أنه تعالى يقول له: «افن» فيفنى، كما قال له: كُنْ فكان.
و أما الثاني- فذهب جمهور المعتزلة إلى أن فناء الجوهر بحدوث ضد له هو الفناء، ثم اختلفوا فذهب ابن الإخشيد إلى أن الفناء، و إن لم يكن متحيزا، لكنه يكون حاصلا في جهة معينة. فإذا أحدثه اللّه تعالى فيها، عدمت الجواهر بأسرها.
و ذهب ابن شبيب إلى أن اللّه تعالى يحدث في كل جوهر فناء، ثم ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني. و ذهب أبو علي [٤] و أتباعه إلى أنه يخلق بعدد كل جوهر فناء لا في محل، فتفنى الجواهر.
[١] سبق الترجمة له في هذا الجزء.
[٢] هو عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان الشهير بالجاحظ كبير أئمة الأدب، و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة ولد عام ١٦٣ في البصرة، و مات و الكتاب على صدره قتلته مجلدات من الكتب على رأسه عام ٢٥٥ ه له تصانيف كثيرة منها كتاب الحيوان، و البيان و التبيين، و البخلاء و المحاسن و الأضداد و التبصر بالتجارة، و مجموع رسائل اشتمل على أربع و هي، المعاد و المعاش، و كتمان السر و حفظ اللسان، و الجد و الهزل، و الحسد و العداوة و غير ذلك كثير. راجع إرشاد الأريب ٦: ٥٦- ٨٠ و الوفيات ١: ٣٨٨.
[٣] سبق الكلام عنها في كلمة وافية.
[٤] سبق الترجمة له في الجزء الثاني من هذا الكتاب.