شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٩٣
إلى غير ذلك من الآيات، و في الأحاديث أيضا كثيرة. و بالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين، و إنكاره كفر بيقين.
فإن قيل: الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر و أظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه و الجبر و القدر، و نحو ذلك، و قد وجب تأويلها قطعا، فلنصرف هذه أيضا إلى بيان المعاد الروحاني، و أحوال سعادة النفوس و شقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام، فإن الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحق، و تكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية و العملية، و تبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل، و ذلك بالترغيب و الترهيب بالوعد و الوعيد و البشارة بما يعتقدونه لذة و كمالا، و الإنذار عما يعتقدونه ألما و نقصانا، و أكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية، و اللذات العقلية، و تقتصر على ما لقوه من اللذات و الآلام الحسية، و عرفوه من الكمالات و النقصانات البدنية، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيبا و ترهيبا للعوام، و تتميما لأمر النظام، و هذا ما قال أبو نصر [١] الفارابي أن الكلام مثل و خيالات للفلسفة.
قلنا: إنما يجب التأويل عند تعذر الظاهر. و لا تعذر هاهنا، سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول، لا عينه، و ما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء و نصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس، و الرعاية لمصلحة العامة نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ، و القصد إلى تضليل أكثر الخلائق، و التعصب طول العمر لترويج الباطل و إخفاء الحق، لأنهم لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم. نعم، لو قيل: إن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام و ثبوتها في نفس الأمر مثل للمعاد الروحاني و اللذات و الآلام العقلية، و كذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحققون من علماء الإسلام، لكان حقا لا ريب فيه و لا اعتداد بمن ينفيه.
قال: احتج المنكرون بوجوه: الأول-
[١] سبق الترجمة له فى هذا الجزء في كلمة وافية فليرجع إليها.