شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٩٢
ذلك بأن المطيع و العاصي هي هذه الجملة أو الأجزاء الأصلية، لا الروح وحده. فلا يصل الجزاء إلى مستحقه إلا بإعادتها [١].
و الجواب- أنه إن اعتبر الأمر بحسب الحقيقة، فالمستحق هو الروح، لأن مبنى الطاعة و العصيان على الإدراكات و الإرادات و الأفعال و الحركات، و هو المبدأ للكل. و إن اعتبر بحسب الظاهر، يلزم أن يعاد جميع الأجزاء الكائنة من أول التكليف إلى الممات. و لا يقولون بذلك، فالأولى التمسك بدليل السمع، و تقريره أن الحشر و الإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق، فيكون واقعا، أما الإمكان فلأن الكلام فيما عدم بعد الوجود، أو تفرق بعد الاجتماع، أو مات بعد الحياة، فيكون قابلا لذلك. و الفاعل هو اللّه القادر على كل الممكنات، العالم بجميع الكليات و الجزئيات. و أما الإخبار فلما تواتر من الأنبياء، سيما نبينا صلى اللّه عليه و سلّم أنهم كانوا يقولون بذلك، و لما و رد في القرآن من نصوص لا يحتمل أكثرها التأويل مثل قوله تعالى:
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [٢].
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٣].
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [٤]، أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [٥]، وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [٦]، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [٧]، يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [٨]، أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ [٩].
[١] في (ب) بزيادة لفظ (كاملة).
[٢] سورة يس آية رقم ٧٨، ٧٩.
[٣] سورة يس آية رقم ٥١.
[٤] سورة الإسراء آية رقم ٥١.
[٥] سورة القيامة آية رقم ٣.
[٦] سورة فصلت آية رقم ٢١.
[٧] سورة النساء آية رقم ٥٦.
[٨] سورة الذاريات آية رقم ٤٢.
[٩] سورة العاديات آية رقم ٩.