شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٨٣
إثبات المعاد بطريق الوجود بعد الفناء، اتفق جمهور المتكلمين على جوازها، و الحكماء على امتناعها. و أما المعتزلة فذهب غير البصري إلى جواز إعادة الجواهر، لكن بناء على بقاء ذواتها في العدم، حتى لو بطلت لاستحالت إعادتها، و اختلفوا في الاعراض، فقال بعضهم: يمتنع إعادتها مطلقا، لأن المعاد إنما يعاد بمعنى، فيلزم قيام المعنى بالمعنى. و إلى هذا ذهب بعض أصحابنا. و قال الأكثرون منهم بامتناع إعادة الأعراض التي لا تبقى كالأصوات و الإرادات لاختصاصها عندهم بالأوقات، و قسموا الباقية الى ما يكون مقدورا للعبد، و حكموا بأنه لا يجوز إعادتها، لا للعبد و لا للرب، و إلى ما لا يكون مقدورا للعبد، و جوزوا إعادتها لنا إقناعا أن الأصل فيما لا دليل على وجوبه و امتناعه هو الإمكان على ما قالت الحكماء أن كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان. فمن ادعى عدم إعادة المعدوم فعليه الدليل، و إلزاما أن المعاد مثل المبدأ، بل عينه، لأن الكلام في إعادة المعدوم بعينه، و يستحيل كون الشيء ممكنا في وقت، ممتنعا في وقت، للقطع بأنه لا أثر للأوقات فيما هو بالذات. و على هذا لا يرد ما يقال أن العود، و هو الوجود ثانيا أخص من مطلق الوجود، و لا يلزم من إمكان الأعم إمكان الأخص. و قريب من هذا ما يقال أن المعدوم الممكن قابل للوجود ضرورة استحالة الانقلاب، فالوجود الأول أن إفادة زيادة استعداد لقبول الوجود على ما هو شأن سائر القوابل، بناء على اكتساب ملكة الاتصاف بالفعل، فقد صار قابليته للوجود ثانيا أقرب، و إعادته على الفاعل أهون، و يشبه أن يكون هذا هو الحق. و المراد بقوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [١] و إن لم يفده زيادة الاستعداد فمعلوم بالضرورة أنه لا ينقص عما هو عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات. هذا، و لكن الأقرب أن تحمل الإعادة التي جعلت أهون على إعادة الأجزاء و ما تفتت من المواد إلى ما كانت عليه من الصور و التأليفات على ما يشير إليه قوله تعالى:
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [٢] لا على إعادة المعدوم، لأنه لم يبق
[١] سورة الروم آية رقم ٢٧.
[٢] سورة يس آية رقم ٧٩.