شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٧٨
يقع تردد في أن نبوة النبي أفضل أم ولايته. فمن قائل بالأول لما في النبوة من معنى الوساطة بين الجانبين، و القيام بمصالح الخلق في الدارين، مع شرف مشاهدة الملك. و من مائل إلى الثاني لما في الولاية من معنى القرب و الاختصاص الذي يكون في النبي في غاية الكمال، بخلاف ولاية غير النبي. و في كلام بعض العرفاء أن ما قيل الولاية أفضل من النبوة لا يصح مطلقا، و ليس من الأدب إطلاق القول به، بل لا بد من التقييد، و هو أن ولاية النبي أفضل من نبوته، لأن نبوة التشريع متعلقة بمصلحة الوقت، و الولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت، بل قام سلطانها إلى قيام الساعة، بخلاف النبوة فإنها مختومة [١] بمحمد صلى اللّه عليه و سلّم من حيث ظاهرها الذي هو الإنباء، و إن كانت دائمة من حيث باطنها الذي هو الولاية، أعني التصرف في الخلق بالحق، فإن الأولياء من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلّم تصرف ولايته بهم، يتصرف في الخلق بالحق إلى قيام الساعة، و لهذا كانت علامتهم المتابعة. إذ ليس الولي إلا مظهر تصرف النبي. و أما بطلان القول بسقوط الأمر و النهي فلعموم الخطابات، و لأن أكمل الناس في المحبة و الإخلاص هم الأنبياء، سيما حبيب اللّه، مع أن التكاليف في حقهم أتم و أكمل، حتى يعاتبون بأدنى زلة، بل بترك الأفضل. نعم حكي عن بعض الأولياء أنه استعفى اللّه عن التكاليف، و سأله الإعتاق عن ظواهر العبادات، فأجابه إلى ذلك بأن سلبه العقل الذي هو مناط التكليف، و مع ذلك كان من علو المرتبة على ما كان. و أنت خبير بأن العارف لا يسأم من العبادة، و لا يفتر في الطاعة، و لا يسأل الهبوط من أوج الكمال إلى حضيض النقصان، و النزول من معارج الملك إلى منازل الحيوان، بل ربما يحصل له كمال الانجذاب إلى عالم القدس و الاستغراق في ملاحظة جناب الحق، بحيث يذهب عن هذا العالم، و يخل بالتكاليف من غير تأثم بذلك لكونه في حكم غير المكلف كالنائم، و ذلك لعجزه عن مراعاة الأمرين و ملاحظة الجانبين، فربما يسأل دوام تلك الحالة، و عدم العود إلى عالم الظاهر، و هذا الذهول هو الجنون الذي ربما يرجح على بعض العقول، و المتسمون به هم المسمون بمجانين العقلاء. و بهذا يظهر فضل الأنبياء على الأولياء، فإنهم مع أن استغراقهم أكمل، و انجذابهم أشمل لا يخلون بأدنى طاعة،
[١] قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ.