شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٧٥
و التابعين، و من بعدهم من الصالحين، كرؤية عمر (رضي اللّه عنه) على المنبر جيشه بنهاوند حتى قال: يا سارية الجبل الجبل. و سمع سارية ذلك [١]. و كشرب خالد (رضي اللّه تعالى عنه) السم من غير أن يضر به. و أما من علي (رضي اللّه تعالى عنه) فأكثر من أن تحصى.
و بالجملة و ظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء، و إنكارها ليس بعجيب من أهل البدع و الأهواء، إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط، و لم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء مع اجتهادهم في أمور العبادات، و اجتناب السيئات، فوقعوا في أولياء اللّه تعالى أصحاب الكرامات، يمزقون أديمهم، و يمضغون لحومهم، لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة [٢]، و لا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة، قاعدين تحت المثل السائر أوسعتهم سبا و أودوا بالإبل، و لم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة، و نقاء السريرة، و اقتفاء الطريقة، و اصطفاء الحقيقة، و إنما العجب من بعض فقهاء أهل السنة حيث قال فيما روي عن إبراهيم بن أدهم انهم رأوه بالبصرة يوم التروية، و في ذلك اليوم بمكة. أن من اعتقد جواز ذلك يكفر.
و الإنصاف ما ذكره الإمام النسفي [٣] حين سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء، هل يجوز القول به؟ فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة و للمخالف وجوه:
الأول- و هو العمدة، أنه لو ظهرت الخوارق من الولي لالتبس النبي
[١] يقول الرسول- صلى اللّه عليه و سلّم- إن يكن في أمتي محدثون فعمر منهم.
[٢] التصوف: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن، و باطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للمتأدب بالحكمين كمال. و قيل: مذهب كله جد فلا يخلطونه بشيء من الهزل، و قيل: تصفية القلب عن موافقة البرية، و مفارقة الأخلاق الطبيعية.
[٣] هو عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو حفص. نجم الدين النسفي: عالم بالتفسير و الأدب، و التاريخ، من فقهاء الحنفية، ولد بنسف و إليها نسبته و توفي بسمرقند قيل له نحو مائة مصنف منها: التيسير في التفسير، و المواقيت، و تعداد شيوخ عمر، و الاشعار بالمختار من الأشعار «عشرون جزءا»، و نظم الجامع الصغير في فقه الحنفية، و قيد الأوابد، و تاريخ بخارى، و غير ذلك كثير توفي عام ٥٣٧ ه.
راجع الفوائد البهية ١٤٩ و الجواهر المضيئة ١: ٣٩٤ و لسان الميزان ٤: ٣٢٧ و إرشاد الأريب ٦: ٥٣.