شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٧١
أي لا يترفع عيسى في العبودية، و لا من هو أرفع منه درجة، كقولك: لن يستنكف من هذا الأمر الوزير و لا السلطان. و لو عكست أحلت بشهادة علماء البيان، و البصراء بأساليب الكلام، و عليه قوله تعالى: وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى [١].
أي مع أنهم أقرب مودة لأصل الإسلام، و لهذا خص الملائكة بالمقربين منهم لكونهم أفضل.
و الجواب أن الكلام سبق لرد مقالة النصارى و غيرهم في المسيح و ادعائهم فيه مع النبوة البنوة، بل الألوهية، و الترفع عن العبودية لكونه روح اللّه، ولد بلا أب، و لكونه يبرئ الأكمه و الأبرص، و المعنى لا يترفع عيسى عن العبودية [٢] و لا من هو فوقه في هذا المعنى، و هم الملائكة الذين لا أب لهم و لا أم و يقدرون على ما لا يقدر عليه عيسى (عليه السلام)، و لا دلالة على الأفضلية بمعنى كثرة الثواب و سائر الكمالات، ألا يرى أن فيما ذكرت من المثال لم يقصد الزيادة و الرفعة في الفضل و الشرف و الكمال، بل فيما هو مظنة الاستنكاف و الرضا. كالغلبة و الاستكبار، و الاستعلاء في السلطان، و قرب المودة في النصارى.
و منها اطراد تقديم ذكر الملائكة على ذكر الأنبياء و الرسل، و لا يعقل له جهة سوى الأفضلية.
و الجواب أنه يجوز أن يكون بجهة تقدمهم في الوجود، أو في قوة الإيمان بهم، و الاهتمام به لأنهم أخفى، فالإيمان بهم أقوى، و بالتحريض عليه أحرى.
و أما العقليات فمنها أن الملائكة [٣] روحانيات مجردة في ذواتها، متعلقة بالهياكل العلوية، مبرأة عن ظلمة المادة، و عن الشهوة و الغضب اللذين هما مبدأ الشرور و القبائح، متصفة بالكمالات العلمية و العملية بالعقل من غير شوائب
[١] سورة البقرة آية رقم ١٢٠.
[٢] هي الوفاء بالعهود، و حفظ الحدود، و الرضا بالموجود و الصبر على المفقود.
[٣] الملائكة: أجسام نورانية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة و قال تعالى في صفتهم: عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.