شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٦٧
طريقهم العيان لا البيان، و المشاهدة لا المراسلة، لأنا نقول: انتفاء الشواغل في حقهم مما لم ينازع فيه أحد. و وجود المشقة و الألم في العبادة و العمل عند عدم المنافي و المضاد مما لا يعقل قلت أو كثرت. و كون باقي الصفات في حق الأنبياء أضعف و أدنى مما لا يسمع و لا يقبل.
و قد يتمسك بأن للملائكة عقلا بلا شهوة، و للبهائم شهوة بلا عقل، و للإنسان كليهما. فإذا ترجح شهوته على عقله يكون أدنى من البهائم، لقوله تعالى: بَلْ هُمْ أَضَلُ [١].
فإذا ترجح عقله على شهوته يجب أن يكون أعلى من الملائكة، و هذا عائد إلى ما سبق، لأن تمام تقريره هو أن الكافر آثر النقصان مع التمكن من الكمال، و كل من فعل كذا فهو أضل و أرذل ممن آثره بدونه، لأن إيثار الشيء مع وجود المضاد و المنافي أرجح و أبلغ من إيثاره بدونه. فيلزم ان يكون من آثر الكمال مع التمكن من النقصان أفضل و أكمل ممن آثره بدونه.
و أما التمسك بقوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [٢] و التكريم المطلق لأحد الأجناس يشعر بفضله على غيره، فضعيف. لأن التكريم لا يوجب التفضيل سيما مع قوله تعالى: وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [٣] فإنه يشعر بعدم التفضيل على القليل، و ليس غير الملائكة بالإجماع، كيف و قد وصف الملائكة أيضا بأنهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ [٤].
قال: و تمسك المخالفون (و المخالفون و هم المعتزلة، و القاضي، و الحليمي منا بوجوه:
الأول- الآيات الدالة على شرفهم و قربهم و كرامتهم و مواظبتهم على الطاعة، و ترك الاستكبار.
[١] سورة الأعراف آية رقم ١٧٩.
[٢] سورة الإسراء آية رقم ٧٠.
[٣] سورة الإسراء آية رقم ٧٠.
[٤] سورة الأنبياء آية رقم ٢٦.