شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٦٦
سجود تحية و زيارة، و لا سجود الأعلى للأدنى إعظاما له، و رفعا لمنزلته، و هضما لنفوس الساجدين.
الثاني- أن آدم أنبأهم بالأسماء و بما علم اللّه من الخصائص. و المعلم أفضل من المتعلم، و سوق الآية ينادي على أن الغرض إظهار ما خفي عليهم من أفضلية آدم، و دفع ما توهموا فيه من النقصان. و لذا قال اللّه تعالى: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [١] و بهذا يندفع ما يقال: إن لهم أيضا علوما جمة أضعاف العلم بالأسماء لما شاهدوا من اللوح و حصلوا في الأزمنة المتطاولة بالتجارب و الأنظار المتوالية.
الثالث- قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [٢].
و قد خص من آل إبراهيم و آل عمران غير الأنبياء بدليل الإجماع. فيكون آدم، و نوح، و جميع الأنبياء مصطفين على العالمين الذين منهم الملائكة، إذ لا مخصص للملائكة عن العالمين، و لا جهة لتفسيره بالكثير من المخلوقات.
الرابع- أن للبشر شواغل عن الطاعات العلمية و العملية كالشهوة، و الغضب، و سائر الحاجات الشاغلة، و الموانع الخارجة و الداخلة. فالمواظبة على العبادات، و تحصيل الكمالات بالقهر و الغلبة على ما يضاد القوة العاقلة يكون أشق و أفضل و أبلغ في استحقاق الثواب. و لا معنى للأفضلية سوى زيادة استحقاق الثواب و الكرامة. لا يقال: لو سلم انتفاء الشهوة و الغضب و سائر الشواغل في حق الملائكة، فالعبادة مع كثرة المتاعب و الشواغل إنما تكون أشق و أفضل من الأخرى إذا استويا في المقدار و باقي الصفات. و عبادة الملائكة أكثر و أدوم، فإنهم يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و الإخلاص الذي به القوام، و النظام و اليقين الذي هو الأساس و التقوى التي هي الثمرة فيهم أقوى و أقوم لأن
[١] سورة البقرة آية رقم ٣٣.
[٢] سورة آل عمران آية رقم ٣٣.