شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٦٥
المعنى إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١] في أني أستخلف من يتصف بذلك من غير حكم، و مصالح، و صفات تلائم الاستخلاف، إذ التعجب إنما يكون عند ذلك. و لذا قال في الرد عليهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [٢].
إشارة إلى تلك الحكم و المصالح. لا يقال: ففيه دلالة على نفي العصمة بإثبات الكذب من الجملة، لأنا نقول: هذا القدر من الخطأ و السهو لا ينافي العصمة، و لا يوجب المعصية.
الثالث- قصة هاروت و ماروت ملكين ببابل يعذبان لارتكابهما السحر.
و الجواب: منع ارتكابهما العمل بالسحر، و اعتقاد تأثيره، بل أنزل اللّه تعالى عليهما السحر ابتلاء للناس، فمن تعلمه و عمل به فكافر. و من تجنبه أو تعلمه ليتوقّاه، و لا يغتر به فهو مؤمن، و هما كانا يعظان الناس و يقولان: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ [٣] للناس و ابتلاء، فلا تكفروا. أي لا تعتقدوا و لا تعملوا فإن ذلك كفر.
و تعذيبهما إنما هو على وجه المعاتبة كما تعاتب الأنبياء على السهو و الزلة من غير ارتكاب منهما لكبيرة فضلا عن كفر، و اعتقاد سحر أو عمل به. و اليهود هم الذين يدعون أن الواحد من الملك قد يرتكب الكبيرة فيعاقبه اللّه بالمسخ.
و أما المقام الثاني فذهب جمهور أصحابنا و الشيعة إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة، فالمعتزلة و القاضي، و أبي عبد اللّه الحليمي منا. و صرح بعض أصحابنا بأنّا عوام البشر من المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، و خواص الملائكة أفضل من عوام البشر، أي غير الأنبياء. لنا وجوه نقلية و عقلية:
الأول- أن اللّه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، و الحكيم لا يأمر بسجود الأفضل للأدنى. و إباء إبليس، و استكباره، و التعليل بأنه خير من آدم لكونه من نار و آدم من طين، يدل على أن المأمور به كان سجود تكرمة و تعظيم، لا
[١] سورة الأنبياء آية رقم ٣٨ و سورة يونس آية رقم ٣٨ و سورة هود آية رقم ١٣، و سورة النحل آية رقم ٧١.
[٢] سورة البقرة آية رقم ٣٠.
[٣] سورة البقرة آية رقم ١٠٢.