شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٩
مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب. و قيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. و بالجملة لا دلالة على العصيان، و الميل عن طريق الحق. و لذا قال: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى [١] و قوله: وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [٢].
ثم لما كان يثقل عليه، و يغمه من فرطاته قبل النبوة، أو من جهله بالشرائع و الأحكام، أو من تهالكه على إسلام أولي العناد و تلهفه.
و قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [٣]. تلطف في الخطاب، و عتاب على ترك الأفضل، و إرشاد إلى الاحتياط في تدبيره الخيرات. قوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى .. إلى قوله: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. [٤]
عتاب على ترك الأفضل، و هو أن لا يرضى باختيار الصحابة الفداء. و كذا الكلام في قوله: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [٥] و قوله تعالى: عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [٦].
و ما روي من أنه قرأ بعد قوله: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [٧] «تلك الغرانيق العلى، و إن شفاعتها لترتجى» فلما أخبره جبريل بما وقع منه، حزن و خاف خوفا شديدا، فنزل قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٨].
تسلية له.
فالجواب: أنه كان من إلقاء الشيطان، لا تعمدا منه. و قيل: بل الغرانيق هي الملائكة. و كان هذا قرآنا فنسخ. و قيل: معنى تمنى النبي حديث النفس. و كان الشيطان يوسوس إليه غير الهدى، فينسخ اللّه وساوسه من نفسه، و يهديه إلى الصواب.
[١] سورة النجم آية رقم ٢.
[٢] سورة الشرح آية رقم ٢.
[٣] سورة التوبة آية رقم ٤٣.
[٤] سورة الأنفال آية رقم ٦٧.
[٥] سورة التحريم آية رقم ١.
[٦] سورة عبس آية رقم ١، ٢.
[٧] سورة النجم آية رقم ١٩، ٢٠.
[٨] سورة الحج آية رقم ٥٢.