شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٠
و عن الصغائر المنفرة و كذا تعمد غير المنفرة خلافا لإمام الحرمين، و أبي هاشم، و المختار عن سهو الكبيرة أيضا لنا لو صدر عنهم الذنب، لزم حرمة اتباعهم، و رد شهادتهم، و وجوب زجرهم، و استحقاقهم العذاب و الذم، و عدم نيلهم عهد النبوة، و كونهم غير مخلصين، و غير مسارعين في الخيرات، و غير معدودين من المصطفين الأخيار، و اللوازم منتفية، و في قيام بعض الوجوه على الصغيرة، و سهو الكبيرة نظر. احتج المخالف بما نقل من نسبة المعصية و الذنب إليهم، و من توبتهم و استغفارهم. و الجواب إجمالا رد ما نقل آحادا و حمل المتواتر و المنصوص على السهو، أو ترك الأولى، أو ما قبل البعثة، أو نحو ذلك و التفاصيل في التفاسير).
في عصمة الأنبياء، و قد سبق أن المعجزة تقتضي الصدق في دعوى النبوة و ما يتعلق بها من التبليغ، و شرعية الأحكام. فما يتوهم صدوره عن الأنبياء من القبائح إما أن يكون منافيا لما يقتضيه المعجزة كالكذب فيما يتعلق بالتبليغ أو لا. و الثاني إما أن يكون كفرا و معصية غيره، و هي إما أن تكون كبيرة كالقتل و الزنا، أو صغيرة منفرة كسرقة لقمة، و التطفيف بحبة. أو غير منفرة ككذبة، و همّ بمعصية. كل ذلك إما عمدا أو سهوا، و بعد البعثة أو قبلها. و الجمهور على وجوب عصمتهم [١] عما ينافي مقتضى المعجزة، و قد جوزه القاضي سهوا زعما منه أنه لا يدخل في التصديق المقصود بالمعجزة و عن الكفر، و قد جوزه الأزارقة من الخوارج بناء على تجويزهم الذنب، مع قولهم بأن كل ذنب كفر، و جوز الشيعة إظهاره تقية و احترازا عن إلقاء النفس في التهلكة و رد بأن أولى الأوقات بالتقية ابتداع الدعوة لضعف الداعي، و شوكة المخالف و كذا عن تعمد الكبائر بعد البعثة، فعندنا سمعا، و عند المعتزلة عقلا، و جوزه الحشوية [٢] إما لعدم دليل الامتناع، و إما لما سيجيء من شبه الوقوع،
[١] العصمة: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها، و العصمة المؤثمة: هي التي يجعل من هتكها آثما، و العصمة المقومة: هي التي يثبت بها للانسان قيمة بحيث من هتكها فعليه القصاص أو الدية.
[٢] الحشوية: فرقة من الفرق الإسلامية أجمعت على الجبر و التشبيه، و ينكرون الخوض في الكلام و الجدل، و يقولون على التقليد و ظواهر الروايات و التشبيه و لهذا تسمى بالمشبهة و تنسب هذه الفرقة إلى محمد ابن كرام الذي نشأ في سجستان و توفي ببيت المقدس سنة ٨٦٩ م.