شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٩
الجهل و العناد و الشر و الفساد. و هذا لا ينافي خيرية القرون الأولى و من يليهم بكثرة الطاعات و العبادات، و صفاء العقائد، و خلوص النيات، و قرب العهد بالنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، و نحو ذلك على ما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «خير القرون القرن الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب» [١].
فإن قيل: في أحاديث قرب الساعة ما يشعر بأنها تقوم قريبا، كقوله (صلى اللّه عليه و سلّم):
«بعثت أنا و الساعة كهاتين» [٢] يعني السبابة و الوسطى. بل على أنها تكون قبل مائة سنة، كقوله (صلى اللّه عليه و سلّم): «يسألونني عن الساعة، و إنما علمها عند اللّه، و أقسم باللّه ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنه». و كقوله (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا يأتي مائة سنة و على الأرض نفس منفوسة» و ها نحن اليوم شارفنا ثمان مائة سنة، و لم يظهر شيء من تلك العلامات.
قلنا: المراد أن قرب الساعة من مستقبل الزمان بالإضافة إلى ما مضى كقرب ما بين الإصبعين، أو كفضل الوسطى على السبابة. و حديث مائة سنة إنما هو في القيامة الصغرى المشار إليها بقوله (عليه السلام): «من مات فقد قامت قيامته»، و قوله لجمع من الأعراب سألوه عن الساعة، و قد أشار الى أصغرهم: «إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى يقوم عليكم ساعتكم» [٣] و إنما الكلام في القيامة الكبرى التي هي
[١] الحديث رواه الترمذي في كتاب الفتن ٤٥ باب ما جاء في القرن الثالث ٢٢٢٢- بسنده عن عمران ابن حصين قال: قال رسول اللّه- و ذكره. و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح و رواه البخاري في الشهادات ٩ و فضائل أصحاب النبي و ابن ماجه في الأحكام ٢٧، و أحمد بن حنبل ١:
٣٧٨، ٤١٧ (حلبى).
[٢] رواية الإمام البخاري في كتاب الرقاق ٣٩، و الطلاق ٢٥ و تفسير سورة ٧٩، و رواه الإمام مسلم في الجمعة ٤٣، ١٣ باب تخفيف الصلاة و الخطبة ٤٣ [٨٦٧] - بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم- و ذكره. و رواه أيضا في الفتن ١٣٢- ١٣٥ و رواه ابن ماجه في المقدمة ٧ باب اجتناب البدع و الجدل ٤٥ بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم- و ذكره ..
[٣] الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الفتن و أشراط الساعة ٢٧ باب قرب الساعة ١٣٦ [٢٩٥٢] بسنده عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم- سألوه عن الساعة متى الساعة. فنظر إلى أحدث إنسان منهم: و ذكره.