شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩٣
و قوله (صلى اللّه عليه و سلّم): و أين مثل أبي بكر، كذبني الناس و صدقني، و آمن بي و زوجني ابنته، و جهز لي بماله، واساني بنفسه، و جاهد معي ساعة الخوف.
و قوله (صلى اللّه عليه و سلّم) لأبي الدرداء حين كان يمشي أمام أبي بكر: أ تمشي أمام من هو خير منك؟ و اللّه ما طلعت شمس و لا غربت بعد النبيين و المرسلين على أحد أفضل من أبي بكر.
و مثل هذا الكلام و إن كان ظاهره نفي أفضلية الغير، لكن إنما يساق لإثبات أفضلية المذكور. و لهذا أفاد أن أبا بكر أفضل من أبي الدرداء و السر في ذلك أن الغالب من حال كل اثنين هو التفاضل دون التساوي، فإذا نفى أفضلية أحدهما لآخر، ثبت أفضلية الآخر، و بمثل هذا ينحل الإشكال المشهور على قوله (صلى اللّه عليه و سلّم): «من قال حين يصبح و حين يمسي: «سبحان اللّه و بحمده» مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» [١] لأنه في معنى أن من قال ذلك فقد أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا احدا قال مثل ذلك أو زاد عليه.
فالاستثناء بظاهره من النفي، و بالتحقيق من الإثبات.
و عن عمرو بن العاص، قلت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): أي الناس أحب إليك؟ قال:
عائشة قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر [٢].
و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لو كان بعدي نبي لكان عمر.
و عن عبد اللّه بن حنطب أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) رأى أبا بكر و عمر فقال: هذان السمع و البصر.
و أما الأثر، فعن ابن عمر، كنا نقول و رسول اللّه حي: أفضل أمة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بعده
[١] الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ٦١ باب ٣٤٦٩ بسنده عن أبي هريرة عن النبي- صلى اللّه عليه و سلّم قال: و ذكره. قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.
[٢] الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب فضائل الصحابة ٥ باب قول النبي- صلى اللّه عليه و سلّم «لو كنت متخذا خليلا» قاله أبو سعيد. ٣٦٦٢- حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: خالد الحذاء، حدثنا عن أبي عثمان. قال حدثني عمرو بن العاص- رضي اللّه عنه، أن النبي- صلى اللّه عليه و سلّم- بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك ..؟ فقال: و ذكره.