شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧١
و قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [١] لظهور أن ذلك تولي محبة و نصرة لا إمامة. و بالجملة لا يخفى على من تأمل في سياق الآية و كان له معرفة بأساليب الكلام أن ليس المراد بالولي فيها ما يقتضي الإمامة، بل الموالاة و النصرة و المحبة، ثم وصف المؤمنين لما ذكر يجوز أن يكون للمدح و التعظيم، دون التقييد و التخصيص، و أن يكون لزيادة شرف الموصوفين و استحقاقهم أن يتخذوا أولياء، و أولويتهم بذلك، و قربهم و نصرتهم، و شفقتهم الحاملة على النصرة و قوله: وَ هُمْ راكِعُونَ كما يحتمل الحال يحتمل العطف، بمعنى أنهم يركعون في صلاتهم لا كصلاة اليهود خالية عن الركوع أو بمعنى أنهم خاضعون. على أن هاهنا وجوها أخر من الاعتراض، منها أن النصرة و إن كانت عامة، لكن إذا أضيفت إلى جماعة مخصوصة من المؤمنين فبالضرورة تختص بمن عداهم، لأن الإنسان لا يكون ناصرا لنفسه. و كأنه قيل لبعض المؤمنين: إنما ناصركم البعض الآخر.
قال الإمام الرازي: إن هذا السؤال عليه التعويل في دفع هذه الشبهة [٢] فإنه دقيق متين، و أنت خبير بأن مبناه على اختصاص الخطاب بالبعض من المؤمنين، و على كون المؤمنين الموصوفين جميع من عداهم. و منها أن الحصر إنما يكون نفيا لما وقع فيه تردد و نزاع [٣] و لا خفاء في أن ذلك عند نزول الآية لم يكن إمامة الأئمة الثلاثة [٤].
و منها أن ظاهر الآية ثبوت الولاية بالفعل، و في الحال، و لا شبهة في أن إمامة علي (رضي اللّه عنه) إنما كانت بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و القول بأنه كانت له ولاية التصرف في أمر المسلمين في حياة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أيضا مكابرة. و صرف الولاية إلى ما يكون في المآل دون الحال لا يستقيم في حق اللّه تعالى و رسوله.
[١] سورة المائدة آية رقم ٥١ و قد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث قال «و من يولّه».
[٢] سقط من (ب) لفظ (الشبهة).
[٣] في (ب) أو بدلا من (الواو).
[٤] سقط من (أ) لفظ (الثلاثة).