شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٣
و الجواب أن ترك التنصيص على معين ليس إهمالا) من النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يهمل مثل هذا الأمر الجليل، و قد بين ما هو بالنسبة إليه أقل من القليل.
و الجواب أن ترك النص الجلي على واحد بالتعيين ليس إهمالا بل تفويض معرفة الأحق الأليق إلى آراء أولي الألباب، و اختيار أهل الحل و العقد من الأصحاب، و أنظار ذوي البصيرة [١] بمصالح الأمور، و تدبير سياسة الجمهور، مع التنبيه على ذلك بخفيف الإشارة، أو لطيف العبارة نوع بيان لا يخفى حسنه على أهل العرفان.
[المبحث الخامس الامام بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم]
قال: المبحث الخامس- الإمام (بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أبو بكر (رضي اللّه عنه). و قالت الشيعة: علي. لنا إجماع أهل الحل و العقد و إن كان من البعض بعض توقف، و قد ثبت انقياد علي لأوامره و نواهيه و إقامة الجمعة و الأعياد معه و تسميته خليفة، و الثناء عليه حيا و ميتا و الاعتذار عن التأخر في البيعة، و أيضا اتفقوا على أن الإمام أبو بكر، أو علي، أو العباس. ثم أنهما لن ينازعاه فتعين. و حديث التقية تضليل للأمة. و لو كانت، لكانت في زمن معاوية، و قد يتمسك بقوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ .. [٢] الآية.
فالداعي المفترض الطاعة أبو بكر عند المفسرين، و عمر عند البعض، و فيه المطلوب. و بقوله (صلى اللّه عليه و سلّم): اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر و عمر [٣] و قوله (صلى اللّه عليه و سلّم):
الخلافة بعدي ثلاثون سنة [٤] و قوله (صلى اللّه عليه و سلّم) في مرضه: ائتوني بكتاب و قرطاس أكتب
[١] البصيرة: قوة للقلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء و بواطنها بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء و ظواهرها، و هي التي يسميها الحكماء العاقلة النظرية و القوة القدسية.
[٢] سورة الفتح آية رقم ١٦ و تكملة الآية سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً.
[٣] الحديث رواه الإمام الترمذي في مناقب أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما كليهما ٣٦٦٢- بسنده عن حذيفة قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم: و ذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن. و قد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه أيضا عن ربعي عن حذيفة عن النبي- صلى اللّه عليه و سلّم، و رواه سالم الأنعمي، كوفي عن ربعي ابن حراش عن حذيفة.
[٤] سبق تخريج هذا الحديث.