شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦١
إليه، و قاتل من نازعه بكلتا يديه حتى فني الخلق الكثير و الجم الغفير، و آثر على التقية عن الحمية في الدين، و العصبية للإسلام و المسلمين، مع أن الخطب إذ ذاك أشد، و الخصم ألد. و في أول الأمر قلوب القوم أرق، و جانبهم أسهل، و آراؤهم إلى اتباع الحق و اجتذاب الباطل أميل، و عهدهم بالنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أقوى، و همهم في تنفيذ أحكامه أرغب. و من ادعى النص الجلي فقد طعن في كبار المهاجرين، و الأنصار عامة، بمخالفة الحق و كتمانه، و في علي (رضي اللّه تعالى عنه) خاصة باتباعه الباطل و إذعانه بل في النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) حيث اتخذ القوم أحبابا و أصحابا، و أعوانا و أنصارا، و أختانا، و أصهارا، مع علمه بحالهم في ابتدائهم و مآلهم، بل في كتاب اللّه تعالى، حيث أثنى عليهم، و جعلهم خير أمة، و وصفهم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و من مكابرات الروافض [١] ادعاؤهم تواتر هذا النص قرنا بعد قرنا، مع أنه لم يشتهر فيما بين الصحابة و التابعين. و لم يثبت ممن يوثق به من المحدثين، مع شدة ميلهم إلى أمير المؤمنين و نقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه و كمالاته في أمر الدنيا و الدين، و لم ينقل عنه (رضي اللّه تعالى عنه) في خطبه و رسائله و مفاخره إشارة إلى ذلك. و ابن جرير الطبري [٢] مع اتهامه بالتشيع لم يذكر في روايته قصة الدار هذه الزيادة التي يدعيها الشيعة و هي قوله (صلى اللّه عليه و سلّم): «إنه خليفتي فيكم من بعدي» و نعم ما قال المأمون: وجدت أربعة في أربعة: الزهد في المعتزلة، و الكذب في الرافضة، و المروءة في أصحاب الحديث، و حب الرئاسة في أصحاب الرأي و الظاهر ما ذكره المتكلمون من أن هذا المذهب أعني دعوى النص الجلي مما وضعه هشام ابن [٣] الحكم، و نصره ابن الراوندي [٤] و أبو عيسى الوراق و أضرابهم، ثم رواه
[١] سبق الحديث عنهم في كلمة وافية.
[٢] هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام ولد عام ٢٢٤ ه و استوطن بغداد و توفي بها عام ٣١٠ ه عرض عليه القضاء فامتنع، و المظالم فأبى له «أخبار الأمم و الملوك و جامع البيان في تفسير القرآن» راجع الوفيات ١: ١٥٦ و طبقات السبكي ٢: ١٣٥- ١٤٠
[٣] هو هشام بن الحكم الشيباني الكوفي، أبو محمد، متكلم مناظر كان شيخ الإمامية في وقته، ولد بالكوفة و نشأ بواسط و سكن بغداد، و انقطع إلى يحيى بن خالد البرمكي، صنف كتبا منها الإمامية و القدر، و الشيخ و الغلام، و الرد على المعتزلة في طلحة و الزبير و غير ذلك راجع منهج المقال ٣٥٩ و فهرست الطوسى ١٧٤.
[٤] هو أحمد بن يحيى بن إسحاق بن الراوندي فيلسوف مجاهر بالإلحاد من سكان بغداد نسبته إلى راوند-