شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٥
ففي الجملة قالوا بوجوب البعثة و لزوم النبوة. فمن قال هي واجبة في الحكماء أراد تبقية النظام على الوجه اللائق، و من قال في العناية أراد تمثل النظام في علمه الشامل. و من قال في الطبيعة، أراد وجود النظام الكامل. و لقد أفصح عن المقصود بعض الإفصاح من قال: إن المدبر الذي يسوق النوع من النقصان إلى الكمال لا بد أن يبعث الأنبياء و يمهد الشرائع كما هو موجود في العالم، ليحصل النظام و يتعيش الأشخاص و يمكن لهم الوصول من النقصان إلى الكمال الذي خلقوا لأجله.
[المبحث الرابع فى بعثه سيدنا محمد صلى الله عليه و آله]
قال: المبحث الرابع محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأنه ادعى الرسالة و هو ظاهر، و أظهر المعجزة لأنه أتى بالقرآن المعجز [١]، و أخبر عن المغيبات [٢]، و ظهر منه ما لا يعتاد من الأحوال. أما النوع الأول منه فبيان الإعجاز أنه (صلى اللّه عليه و سلم) تحدى بأقصر سورة منه مصاقع البلغاء مع كثرتهم و شهرتهم بالعصبية، فعدلوا عن المعارضة إلى المقارعة، و هو دليل العجز، و وجه الإعجاز عند الأكثرين كونه في الطبقة العليا من البلاغة، و عند الكثيرين الصرفة، و هي أن اللّه تعالى صرف العقول عن المعارضة مع القدرة عليها، و رد بأن فصحاء العرب إنما كانوا يتعجبون من ذلك، لا من عدم المعارضة مع سهولتها، و بأن ترك كمال البلاغة أدخل في الإعجاز بالصرفة، و بقوله تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُ [٣] .. الآية.
و قيل كونه على أسلوب غريب مخالف لما دل عليه كلامهم. و قيل سلامته عن الاختلاف و التناقض، و قيل اشتماله على دقائق العلوم و الحكم و المصالح. و قيل على الإخبار عن المغيبات، و ردت بأن خرافات مسيلمة و غيره على ذلك الأسلوب، و كلام كثير من البلغاء و الحكماء سالم عن الاختلاف و التناقض،
[١] قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
[٢] و قال- صلى اللّه عليه و سلّم- عن بعض نسائه «من منكن تنبحها كلاب هجر».
[٣] سورة الإسراء آية رقم ٨٨ و تكملة الآية: عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.