شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٧
للجهاد، و كثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام، و حماية بيضة الإسلام، مما لا يتم إلا بالإمام، و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به و كان مقدورا فهو واجب، على ما مر في صدر الكتاب. لا يقال: الأمر بإقامة الحدود كقطع السارق مثلا إن كان مشروطا بوجود الإمام، لم يكن مطلقا فلم يستلزم وجوبه، كالأمر بالزكاة بالنسبة إلى تحصيل النصاب. و إن لم يكن مشروطا به فظاهر، لأنا نقول: فرق بين تقيد الوجوب، و تقيد الواجب، فههنا الوجوب مطلق، أي لم يقيد و لم يشترط بوجود الإمام، و الواجب- أعني المأمور به- مشروط به و موقوف عليه. كوجوب الصلاة المشروطة بالطهارة.
و أما في الزكاة فالوجوب مشروط بحصول النصاب، حتى إذا انتفى، فلا وجوب.
الثالث- أن في نصب الإمام استجلاب منافع لا تحصى، و استدفاع مضار لا يخفى، و كل ما هو كذلك فهو واجب، أما الصغرى فيكاد يلحق بالضروريات بل المشاهدات، و يعد من العيان الذي لا يحتاج إلى البيان. و لهذا اشتهر أن ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن [١] و ما يلتئم باللسان لا ينتظم بالبرهان .. و ذلك لأن الاجتماع المؤدي إلى صلاح المعاش و المعاد لا يتم بدون سلطان قاهر يدرأ المفاسد و يحفظ المصالح و يمنع ما يتسارع إليه الطباع و يتنازع عليه الأطماع.
و كفاك شاهدا ما يشاهد من استيلاء الفتن و الابتلاء بالمحن لمجرد هلاك من يقوم بحماية الحوزة و رعاية البيضة، و إن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح و السداد، و لم يخل عن شائبة شر و فساد، و لهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يصدرون عن رأيه، و مقتضى أمره و نهيه. بل ربما يجري مثل هذا فيما بين الحيوانات العجم، كالنحل لها عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم أمرها به ما دام فيها، و إذا هلك انتشرت الأفراد انتشار الجراد، و شاع فيما بينها الهلاك و الفساد، لا يقال:
[١]١