شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢١٦
و الثاني- أن التصديق الإيماني المنوط به النجاة أمر قلبي خفي له معارضات خفية كثيرة من الهوى و الشيطان و الخذلان بالمرء، و إن كان جازما بحصوله لكن لا يأمن ان يشوبه شيء من منافيات النجاة سيما عند ملاحظة تفاصيل الأوامر و النواهي الصعبة المخالفة للهوى، و المستلذات من غير علم له بذلك. فذلك يفوض حصوله إلى مشيئة اللّه. و هذا قريب لو لا مخالفته لما يدعيه القوم من الإجماع، و لما ذكر في الفتاوى من الروايات.
الثالث- و عليه التعويل، ما قال إمام الحرمين [١] إن الإيمان ثابت في الحال قطعا من غير شك فيه. لكن الإيمان الذي هو علم الفوز، و آية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به، و قرنوه بالمشيئة و لم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز، و معنى الموافاة الإتيان و الوصول إلى آخر الحياة و أول منازل الآخرة، و لا خفاء في أن الإيمان المنجي و الكفر المهلك ما يكون في تلك الحال، و إن كان مسبوقا بالضد، لا ما ثبت أولا و تغير إلى الضد. فلهذا يرى الكثير من الأشاعرة يبتون القول بأن العبرة بإيمان الموافاة و سعادتها. بمعنى أن ذلك هو المنجي، لا بمعنى أن إيمان الحال ليس بإيمان و كفره ليس بكفر، و كذا السعادة و الشقاوة و الولاية و العداوة، و على هذا يسقط عنهم ما يقال إنه اذا اتصف بالإيمان على الحقيقة، كان مؤمنا حقا، و لا يصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى، كما لا يصح أن يقول: انا حي إن شاء اللّه تعالى. و إذا كان مؤمنا حقا، كان مؤمنا عند اللّه تعالى، و في علم اللّه، و إن كان اللّه تعالى يعلم أنه يتغير عن تلك الحال. و إذا كان مؤمنا في الحال كان وليا للّه، سعيدا. و إن كان كافرا، كان عدوا له شقيا، و كما يصير المؤمن كافرا، يصير الولي عدوا و السعيد شقيا، و بالعكس. و ما يحكى عنهم من أن السعيد لا يشقى، و الشقي لا يسعد، و أن السعيد من سعد في بطن أمه، و الشقي من شقي في بطن أمه، فمعناه أن من علم اللّه منه السعادة المعتبرة التي هي سعادة الموافاة، فهو لا يتغير إلى شقاوة الموافاة، و بالعكس. و كذا في الولاية و العداوة، و أن السعيد الذي يعتد بسعادته من علم اللّه أنه يختم له بالسعادة. و كذا الشقاوة.
[١]١