شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢١٢
و قال إمام الحرمين: إذا حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقا، كما لا يفضل علم علما. و من حمله على الطاعة سرا و علنا- و قد مال إليه القلانسي [١]- فلا يبعد إطلاق القول بأنه يزيد بالطاعة، و ينقص بالمعصية، و نحن لا نؤثر هذا. لا يقال: الإيمان على تقدير كونه اسما للأعمال أولى بأن لا يحتمل الزيادة و النقصان.
أما أولا فلأنه لا مرتبة فوق الكل ليكون زيادة، و لا إيمان دونه ليكون نقصانا.
و أما ثانيا، فلأن أحدا لا يستكمل الإيمان حينئذ، و الزيادة على ما لم يكمل بعد محال. لأنا نقول هذا إنما يرد على من يقول بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال أو التروك، كما هو مذهب المعتزلة، لا على من يقول ببقائه ما بقي التصديق، كما هو مذهب السلف، إلا ان الزيادة و النقصان على هذا تكون في كمال الإيمان، لا في أصله. و لهذا قال الإمام الرازي: وجه التوفيق أن ما يدل على أن الإيمان لا يتفاوت مصروف الى أصله، و ما يدل على أنه يتفاوت مصروف إلى الكامل منه. و لقائل أن يقول: لا نسلم أن التصديق لا يتفاوت، بل يتفاوت قوة و ضعفا، كما في التصديق بطلوع الشمس، و التصديق بحدوث العالم، لأنه إما نفس الاعتقاد القابل للتفاوت أو مبني عليه، و قلة و كثرة، كما في التصديق الإجمالي و التفصيلي الملاحظ لبعض التفاصيل و أكثر و أكثر، فإن ذلك من الإيمان لكونه تصديقا بما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إجمالا فيما علم إجمالا، و تفصيلا فيما علم تفصيلا، لا يقال: الواجب تصديق يبلغ حد اليقين، و هو لا يتفاوت لأن التفاوت لا يتصور إلا باحتمال النقيض، لأنا نقول: اليقين من باب العلم و المعرفة، و قد سبق أنه غير التصديق، و لو سلم أنه التصديق، و أن المراد به ما يبلغ حد الإذعان و القبول، و يصدق عليه المعنى المسمى «بگرويدن» ليكون تصديقا قطعيا، فلا نسلم أنه لا يقبل التفاوت، بل لليقين مراتب من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات، و كون
[١]١