شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢١
يزاحمه. و ذلك القانون هو الشرع، و لا بد له من شارع يقرره على ما ينبغي متميزا عن الآخرين بخصوصية فيه من قبل خالق الكل، و استحقاق طاعة و انقياد، و إلا لما قبلوه، و لم ينقادوا له، و أن يكون إنسانا يخاطبهم و يلزمهم المعاملة على وفق ذلك القانون، و يراجعونه في مواضع الاحتياج و مظان الاشتباه، فتلك الخصوصية هي البعثة و النبوة، و ذلك الإنسان الشارع لقوانين المعاملات فيما بينهم، و السياسات في حق من يخرج من مصالح البقاء هو النبي، فلا بد من أمر مختص يدل على أن شريعته من عند ربه، و يقتضي لمن وقف عليه أن يقر بنبوته، و ينقاد له و هو المعجزة.
قالوا: و هذا الإنسان هو الذي يجتمع فيه خواص ثلاث: هي الاطلاع على المغيبات، و ظهور خوارق العادات، و مشاهدة الملك مع سماع كلامه. و معنى ذلك على ما شرحه في الشفاء و غيره أنه يكون كاملا في قوته النفسانية، أعني الإنسانية و الحيوانية المدركة و المحركة، بمعنى أن نفسه القدسية بصفاء جوهرها، و شدة اتصالها بالمبادئ العالية المنتقشة بصور الكائنات ماضيها، و حاضرها، و آتيها، و قلة التفاتها إلى الأمور الجاذبة إلى الخسة السافلة، تكون بحيث يحصل لها جميع ما يمكن للنوع دفعه، أو قريبا من دفعه، إذ لا بخل هناك و لا احتجاب، و إنما المانع هو انجذاب القوابل إلى عالم الطبيعة، و انغماسها في الشواغل عن عالم العقل، و أن قوته المتخيلة تكون بحيث يتمثل لها العقول المجردة صورا و أشباحا يخاطبونه و يسمعونه كلاما منظوما محفوظا، و أن قوته المحركة تكون بحيث يطيع لها هيولى العناصر، فيتصرف فيها تصرفها في بدنه، فيعنون بالخصائص هذه القوى، و بمشاهدة الملك هذا المعنى، فلا يرد الاعتراض بأن الاطلاع على المغيبات و ظهور خوارق العادات قد يوجد لغير الأنبياء، فلا يكون من خواصهم، و أن مشاهدة الملك و سماع كلامه مجرد عبارة لا يقولون بمعناها على أن الخاصة [١] قد تطلق على الإضافية، و أن ما ذكر بمجرد اعتبار مقارنته التحدي يصير خاصة حقيقية.
[١] الخاصة: كلية مقولة على أفراد حقيقية واحدة فقط قولا عرضيا سواء وجد في جميع أفراده كالكاتب بالقوة بالنسبة إلى الإنسان أو في بعض أفراده كالكاتب بالفعل بالنسبة إليه فالكلية مستدركة و قولنا فقط