شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٦
و المعرفة. و فصل بعضهم زيادة تفصيل، و قال: التصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من إخبار المخبر، و هو أمر كسبي يثبت باخبار المصدق. و لهذا يؤمر و يثاب عليه، بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة، فإنها ربما يحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر، و حققه بعض المتأخرين زيادة تحقيق، فقال: المعتبر في الإيمان هو التصديق الاختياري. و معناه نسبة الصدق إلى المتكلم اختيارا. و بهذا القيد يمتاز عن التصديق المنطقي المقابل للتصور. فإنه قد يخلو عن الاختيار. كما إذا ادعى النبي النبوة، و أظهر المعجزة، فوقع في القلب صدقه ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيارا، فانه لا يقال في اللغة إنه صدقه فلا يكون إيمانا شرعيا. كيف، و التصديق مأمور به، فيكون فعلا اختياريا زائدا على العلم لكونه كيفية نفسانية أو انفعالا و هو حصول المعنى في القلب، و الفعل القلبي ليس كذلك. بل هو إيقاع النسبة اختيارا الذي هو كلام النفس، و يسمى عقد القلب. فالسوفسطائي عالم بوجود النهار، و كذا بعض الكفار بنبوة النبي (عليه السلام)، لكنهم ليسوا مصدقين لغة، لأنهم لا يحكمون اختيارا، بل ينكرون. و كلام هذا المحقق متردد يميل تارة إلى أن التصديق المعتبر في الإيمان نوع من التصديق المنطقي الذي هو أحد قسمي العلم لكونه مقيدا بالاختيار، و كون التصديق العلمي أعم لا فرق بينهما إلا بلزوم الاختيار و عدمه، و تارة إلى أنه ليس من جنس العلم أصلا لكونه فعلا اختياريا، و كون العلم كيفية أو انفعالا. و على هذا الأخير أصر بعض المعتنين بتحقيق معنى الإيمان، و جزم بأن التسليم الذي فسر به الإمام الغزالي التصديق ليس من جنس العلم، بل أمر وراء معناه كردن دادن و گرويدن و حق داشتن مر آن را كه حق دانسته باشى. و يؤيده ما ذكر إمام الحرمين [١] أن التصديق على التحقيق كلام النفس، لكن لا يثبت كلام النفس إلا مع العلم.
[١] هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي: ركن الدين الملقب بإمام الحرمين، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي ولد في جوين عام ٤١٩ و توفي عام ٤٧٨ من كتبه غياث الأمم و التياث الظلم، و العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، و البرهان في أصول الفقه و غير ذلك كثير. راجع وفيات الأعيان ١: ٣٨٧ و السبكى ٣: ٢٤٩ و تبيين كذب المفتري ٢٧٨- ٢٨٥