شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٠
أعني الإيمان. مع انتفاء ركنه، أعني الأعمال. و كيف يدخل الجنة من لم يتصف بما جعل اسما للإيمان؟ و جوابه أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل و الأساس في دخول الجنة، و هو التصديق وحده، أو مع الإقرار. و على ما هو الكامل المنجي بلا خلاف، و هو التصديق مع الإقرار و العمل على ما أشير إليه بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... [١] إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.
و موضع الخلاف أن مطلق الاسم للأول أم الثاني؟ و ذكر الإمام في وجه الضبط أن الإيمان إما أن يكون اسما لعمل القلب فقط، و هو المعرفة عند الإمامية، و جهم، و التصديق عندنا، و إما لعمل الجوارح. فإن كان هو القول، فمذهب الكرامية. أو سائر الأعمال، فمذهب المعتزلة. و إما مجموع عمل القلب و الجوارح، و هو مذهب السلف. و فيه اختلال من جهة ترك عمل القلب في مذهب الاعتزال، و عدم التعرض لمذهب التصديق و الإقرار.
فإن قيل: قد ذكرت من المذاهب ما يبلغ عشرة و نحن قاطعون بأن النبي (عليه السلام) و من بعده كانوا يأمرون بأمر معلوم يمتثل من غير افتقار إلى بيان، و لا استفسار إلا بحسب المتعلق. أعني ما يجب الإيمان به، فكيف ذلك؟
قلنا: لا خفاء و لا خلاف في أنهم كانوا يأمرون بالتصديق و قبول الأحكام، و يكتفون في حق الأحكام الدنيوية بما يدل على ذلك، و هو الإقرار. إلا أنه وقع اختلاف و اجتهاد في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار، أم كلاهما مع الأعمال. و في أن ذلك مجرد معرفة و اعتقاد أم أمر زائد على ذلك. و هذا لا بأس به.
- و أحد الكتاب المترسلين، ولد في بعلبك و نشأ في البقاع و سكن بيروت و توفي بها عام ١٥٧ ه و عرض عليه القضاء فامتنع له كتاب السنن في الفقه و المسائل. و غير ذلك راجع ابن النديم ١:
٢٢٧، و الوفيات ١: ٢٧٥ و تاريخ بيروت ١٥، و حلية الأولياء ٦: ١٣٥.
[١] سورة الأنفال آية رقم ٢، ٤ و تكملة الآيات وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ.