شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٨
بأنه اسم لمعنى آخر، غير المعرفة. و التصديق هو التسليم. إلا أنه يعود بالآخرة إلى التصديق على ما يراه أهل التحقيق.
و على الثاني، و هو أن يجعل اسما لفعل اللسان. أعني الإقرار بحقية ما جاء به النبي (عليه السلام). و قد يشترط معه معرفة القلب، حتى لا يكون الإقرار بدونها إيمانا. و إليه ذهب الرقاشي زاعما أن المعرفة ضرورية يوجد لا محالة. فلا يجعل من الإيمان لكونه اسما لفعل مكتسب، لا ضروري. و قد يشترط التصديق. و إليه ذهب القطان، [١] و صرح بأن الإقرار الخالي عن المعرفة و التصديق لا يكون إيمانا. و عند اقترانه بهما يكون الإيمان هو الإقرار فقط. و قد لا يشترط شيء منهما. و إليه ذهب الكرامية، حتى إن من أضمر الكفر، و أظهر الإيمان، يكون مؤمنا، إلا أنه يستحق الخلود في النار. و من أضمر الإيمان، و أظهر الكفر، لا يكون مؤمنا. و من أضمر الإيمان، و لم يتفق منه الإظهار و الإقرار، لم يستحق الجنة. و إذا تحققت فليس لهؤلاء الفرق الثلاث كثير خلاف في المعنى و فيما يرجع إلى الأحكام.
و على الثالث، و هو أن يكون اسما لفعل القلب و اللسان، فهو اسم للتصديق المذكور، مع الاقرار. و عليه كثير من المحققين، و هو المحكي عن أبي حنيفة (رحمه اللّه تعالى). و كثيرا ما يقع في عبارات النحارير من العلماء مكان التصديق، تارة المعرفة، و تارة العلم، و تارة الاعتقاد. فعلى هذا من صدق بقلبه، و لم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة، لا يكون مؤمنا عند اللّه تعالى، و لا يستحق دخول الجنة، و لا النجاة من الخلود في النار.
بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط. فإن الإقرار حينئذ شرط لإجراء الأحكام في الدنيا من الصلاة عليه، و خلفه، و الدفن في مقابر المسلمين، و المطالبة بالعشور و الزكاة، و نحو ذلك. و لا يخفى أن الإقرار بهذا الغرض لا
[١] هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي بوسعيد من حفاظ الحديث ثقة حجة من أقران مالك و شعبة من أهل البصرة كان يفتي بقول أبي حنيفة و أورد له البلخي سقطات و لم يعرف له تأليف إلا ما في كشف الظنون من أن له كتاب المغازي. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت بعيني مثل يحيى القطان توفي عام ١٩٨ ه راجع تذكرة الحفاظ ١: ٢٧٤ و تهذيب التهذيب ١١: ٢١٦ و تاريخ بغداد ١٤: ١٣٥ و كشف الظنون ١٤٦ و العبر للذهبي ١: ٣٢٧.