شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٧
لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ [١].
و لما أنه في التحقيق عائد إلى أخذ الشيء صادقا، و الصدق مما يوصف به المتكلم، و الكلام و الحكم يقع تعليقه بالشيء باعتبارات مختلفة مثل: آمنت باللّه أي بأنه واحد متصف بما يليق، منزه عما لا يليق، و آمنت بالرسول، أي بأنه مبعوث من اللّه تعالى، صادق فيما جاء به. و آمنت بملائكته، أي بأنهم عباده المكرمون، المطيعون، المعصومون، لا يتصفون بذكورة و لا أنوثة، ليسوا بنات اللّه، و لا شركاءه و آمنت بكتبه و كلماته، أي بأنها منزلة من عند اللّه، صادقة فيما تتضمنه من الأحكام.
و آمنت باليوم الآخر، أي بأنه كائن البتة. و آمنت بالقدر، أي بأن الخير و الشر بتقدير اللّه و مشيئته، و مرجع الكل إلى القبول و الاعتراف. و أما في الشرع فاختلف الآراء في تحقيق الإيمان و في كونه اسما لفعل القلب فقط، أو فعل اللسان فقط، أو لفعلهما جميعا، وحدهما أو مع سائر الجوارح. و هذه طرق أربعة.
فعلى الأول قد يجعل اسما للتصديق. أعني تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة. أي فيما اشتهر كونه مع الدين. بحيث يعلمه من غير افتقار إلى نظر و استدلال، كوحدة الصانع، و وجوب الصلاة، و حرمة الخمر، و نحو ذلك. و يكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا. و يشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا، حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه. و بحرمة الخمر عند السؤال عنه كان كافرا. و هذا هو المشهور. و عليه الجمهور. و قد يجعل اسما للمعرفة. أعني معرفة ما ذكرناه، و يتناول معرفة اللّه تعالى بوحدانيته، و سائر ما يليق به، و تنزهه عما لا يليق به، و هو مذهب الشيعة [٢]، و جهم بن صفوان، و أبي الحسين الصالحي من القدرية. و قد يميل إليه الأشعري. و ستعرف فرقا بين المعرفة و التصديق. و من الناس من يكاد يقول
[١] سورة يوسف آية رقم ١٧.
[٢] الشيعة: هم الذين شايعوا عليا- رضي اللّه عنه على الخصوص، و قالوا بإمامته و خلافته نصا و وصيه إما جليا و إما خفيا، و اعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده و إن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده، و قالوا ليست الإمامة بقضية مصلحة بل قضية أصولية. راجع الملل و النحل ١: ١٤٦