شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧٣
و أما الإجماع فهو أن المسلمين في الصدر الأول و بعده كانوا يتواصون بذلك، و يوبخون تاركه مع الاقتدار عليه. فإن استدل على نفي الواجب بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [١].
و قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [٢].
و بما روي عن عائشة (رضي اللّه عنها) أنها قالت: قلنا: يا رسول اللّه، متى لا يؤمر بالمعروف و لا ينهى عن المنكر؟ قال: «إذا كان البخل في خياركم، و إذا كان الحكم في رذالكم، و إذا كان الادهان في كباركم، و إذا كان الملك في صغاركم» [٣].
أجيب بأن المعنى: أصلحوا أنفسكم بأداء الواجبات و ترك المعاصي، و بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا يضركم بعد النهي عنادهم و إصرارهم على المعصية أو لا يضر المهتدي إذا نهى ضلال الضال. و قوله: لا إِكْراهَ منسوخ بآيات القتال. على أنه ربما يناقش في كون الأمر و النهي إكراها. و أما الحديث فلا يدل إلا على نفي الوجوب عند فوات الشرط بلزوم المفسدة و انتفاء الفائدة. فإن من شرائط وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علم الفاعل بوجههما من أنه واجب معين، أو مخير مضيق، أو موسع. عين أو كفاية. و كذا في المنفى.
و بالجملة العلم بما يختلف باختلافه حال الأمر و النهي ليقعا على ما ينبغي.
و منها تجويز التأثير بأن لا يعلم عدم التأثير قطعا لئلا يكون عبثا و اشتغالا بما لا يعني.
فإن قيل: يجب- و إن لم يؤثر- إعزازا للدين.
قلنا: ربما تكون ذلك إذلالا. و منها انتفاء مضرة و مفسدة أكثر من ذلك المنكر أو مثله. و هذا في حق الوجوب، دون الجواز. حتى قالوا: يجوز و إن ظن أنه يقتل و لا ينكى نكاية بضرب و نحوه، لكن يرخص له السكوت. بخلاف
[١] سورة المائدة آية رقم ١٧٥.
[٢] سورة البقرة آية رقم ٢٥٦.
[٣] لم نعثر على هذا الحديث في كتاب الصحاح و اللّه أعلم