شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٧
الثاني: احتمال أن لا يكون خارقا للعادة، بل ابتداء عادة أراد اللّه أجراءها أو تكرير عادة لا تكون إلا في دهور متطاولة، كعود الثوابت إلى نقطة معينة.
الثالث: احتمال أن يكون مما يعارض إلا أنه لم يعارض لعدم بلوغه إلى من يقدر المعارضة، أو لمواضعة من القول، و موافقة في إعلاء كلمته، أو لخوف، أو لاستهانة و قلة مبالاة، أو لاشتغال بما هو أهم، أو عورض و لم ينقل لمانع.
الرابع: احتمال أن لا يكون لغرض التصديق، إما لانتفاء الغرض في فعله على ما هو المذهب، و إما لثبوت غرض آخر مثل ان يكون لطفا بمكلف، أو إجابة لدعوته، أو معجزة لنبي آخر، أو ابتلاء للعبد لينال الثواب بالتوقف عن موجبه، أو النظر و الاجتهاد في دفعه، كما في إنزال المتشابه، أو إضلالا للخلق على ما هو المذهب عندكم من أن (اللّه يضل من يشاء) من عباده، و بعدم تسليم انتفاء الاحتمالات، و كون المعجزة بمنزلة صريح القول من اللّه تعالى بأن المدعي صادق فهو لا يوجب صدقه إلا بعد استحالة الكذب في إخبار اللّه تعالى، و لا سبيل إلى ذلك بدليل السمع للزوم الدور، و لا بدليل العقل، لأن غايته أن الكذب قبيح، و هو على اللّه تعالى مستحيل، و ثبوت المقدمتين بغير دليل السمع في حيز المنع.
فالجواب إجمالا أن الاحتمالات و التجويزات العقلية لا تنافي العلوم العادية الضرورية القطعية، فنحن نقطع بحصول العلم بالصدق عقيب ظهور المعجزة من غير التفات إلى ما ذكر من الاحتمالات لا بالنفي و لا بالإثبات، كما يحصل في المثال المذكور، و إن كان الملك ظلوما غشوما كذوبا لا يبالي بإغواء رعيته و الاستهزاء برسله، و تفصيلا:
أولا: أنا بينا أن لا مؤثر في الوجود إلا اللّه وحده، سيما في مثل إحياء الموتى، و انقلاب العصا حية، و انشقاق القمر، و سلام الحجر و المدر، على أن مجرد التمكين، و ترك الدفع من قبل الحكيم القادر المختار كاف في إفادة المطلوب، و لهذا ذهب المعتزلة إلى ان المعجزة [١] تكون فعلا للّه تعالى، أو واقعا بأمره أو بتمكينه.
[١] المعجزة: أمر خارق للعادة داعية إلى الخير و السعادة مقرونة بدعوى النبوة قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من اللّه تعالى.