شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٦٨
المعاصي، و المؤمن المصر على المعاصي طول عمرة، من غير عبادة أصلا، و المؤمن الجامع بين الطاعات و المعاصي من غير توبة، و المؤمن التائب عن المعاصي واحد، و هو التفويض إلى مشيئة اللّه تعالى من غير قطع بالثواب أو العقاب. فلا رجاء من الطاعة و التوبة، و لا خوف من المعصية و الإصرار. و هذه جهالة جاهلة، و مكابرة تائهة.
قلنا: حكم الكل واحد في أنه لا يجب على اللّه تعالى في حقهم شيء.
لكن يثيب المطيع و التائب البتة بمقتضى الوعد على تفاوت درجات. و يعاقب العاصي المصر بمقتضى الوعيد على اختلاف دركات. لكن مع احتمال العفو احتمالا مرجوحا، فأين التساوي، و انقطاع الخوف [١] و الرجاء. نعم، خوفنا لا ينهي إلى حد اليأس و القنوط، إذ لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون.
ثم اختلفت المعتزلة في أنه إذا سقط استحقاق عقاب المعصية بالتوبة، هل يعود استحقاق ثواب الطاعة الذي أبطله تلك المعصية؟ فقال أبو علي، و أبو هاشم: لا، لأن الطاعة تنعدم في الحال. و إنما يبقى استحقاق الثواب، و قد سقط، و الساقط لا يعود.
و قال الكعبي: نعم، لأن الكبيرة لا تزيل الطاعة، و إنما تمنع حكمها، و هو المدح و التعظيم، فلا تزيل ثمرتها. فإذا صارت بالتوبة كأن لم تكن، ظهرت ثمرة الطاعة كنور الشمس إذا زال الغيم.
و قال بعضهم، و هو اختيار المتأخرين: لا يعود ثوابه السابق، لكن تعود طاعته السالفة مؤثرة في استحقاق ثمراته، و هو المدح. و الثواب في المستقبل بمنزلة شجرة أحرقت النار أغصانها و ثمارها، ثم انطفأت النار، فإنه يعود أصل الشجرة و عروقها إلى خضرتها و ثمرتها.
[١] الخوف: لغة و عرفا: توقع حلول مكروه أو فوات محبوب و في الاصطلاح الإشفاق من عذاب اللّه تعالى. و أما الرجاء فهو في اللغة: الأمل و في العرف: تعلق القلب بحصول محبوب في المستقبل، و في الاصطلاح: الطمع في ثواب اللّه مع وجود الطاعة، و كلاهما واجب على المكلف فلا يجوز خلو قلبه من أحدهما. قال تعالى: يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ و قال تعالى: وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً. و قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً.