شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٦٥
عن ذلك العزم البتة على تقدير الخطور و الاقتدار.
هذا و قد شاع في عرف العوام إطلاق اسم التوبة على الاستئناف و إظهار العزم على ترك المعصية في المستقبل. و ليس من التوبة في شيء ما لم يتحقق الندم و الأسف على ما مضى، و علامته طول الحسرة و الحزن، و انسكاب الدموع. و من نظر في باب التوبة من كتاب الإحياء للإمام حجة الإسلام، و تأمل فيما يرى من قصة استغفار داود (عليه السلام) علم صعوبة (أمر التوبة) [١].
و المعتزلة لما خرجوا بالكبيرة عن الإيمان، و جزموا بالدخول، بل الخلود في النيران ما لم يتوبوا، هونوا أمر التوبة حتى اعتقد عوامهم أنه يكفي مجرد قول العاصي: تبت و رجعت. و خواصهم أنه يكفي أن يعتقد أنه أساء، و أنه لو أمكنه رد تلك المعصية، لردها. و لا حاجة إلى الأسف و الحزن، لأن أهل الجنة يندمون على تقصيرهم، و لا حزن. و إنما الحزن لتوقع الضرر، و لا ضرر مع الندم. و لأن العاصي مكلف بالتوبة في كل وقت، و لا يمكنه تحصيل الغم و الحزن، فيلزم تكليف ما لا يطاق.
قال: و هي واجبة.
(و هي واجبة عندنا سمعا لقوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً.
و عند المعتزلة عقلا لما فيها من دفع الضر، و وجوبها على الفور. فآثام التارك متلاحقة، و قبولها ثابت عندنا بدليل ظني، و واجب عند المعتزلة ذهابا
[١] التوبة النصوح. هو توثيق العزم على أن لا يعود لمثله قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما: التوبة النصوح: الندم بالقلب، و الاستغفار باللسان و الاقلاع بالبدن و الاضمار على أن لا يعود. و قيل التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب و كذلك التوب قال اللّه تعالى غافر الذنب و قابل التوب، و قيل التوب جمع توبة، و التوبة في الشرع الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة، و هي واجبة على الفور عند عامة المسلمين أما الوجوب فلقوله تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، و أما الفورية فلما في تأخيرها من الإصرار المحرم، و الإنابة: قريبة من التوبة لغة و شرعا.
و اللّه أعلم.