شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٥
الإسلام لا تخفى. منها مقال [١] الفلاسفة في المعاد و مجال الملاحدة في العناد. و هاهنا بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بخلود الكفار في النار. فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك. و إذا جاز الخلف، لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا يجوزون العفو عنهم في الحكمة على ما يشعر قوله تعالى: أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [٢] و غير ذلك من الآيات. و وجه التفرقة أن العاصي قلما يخلو عن خوف عقاب، و رجاء رحمة، و غير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى، بخلاف الكافر. و أيضا الكفر مذهب، و المذهب يعتقد للأبد، و حرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا. فكذلك عقوبته، بخلاف المعصية، فإنها لوقت الهوى و الشهوة، و أما من جوز العفو عقلا، و الكذب في الوعيد، إما قولا لجواز الكذب المتضمن لفعل الحسن، أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل [٣]، فمع صريح إخبار اللّه تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر، و يخلده في النار. فجواز الخلف، و عدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل. و لما كان هذا باطلا، علم أن القول بجواز الكذب في إخبار اللّه تعالى باطل قطعا.
قال: خاتمة- قد اشتهر (من المعتزلة أن الفاسق مخلد، و إن عدم القطع بعقابه إرجاء. لكن ينبغي أن يكون هذا مذهب البعض، إذ المختار عند الأكثرين هو أن الكبائر إنما تسقط الطاعات إذا زاد عقابها على ثوابها. و ذلك في علم اللّه. و اضطربوا فيما إذا تساويا، و صرحوا بجواز العفو عقلا و شرعا عند البصرية، و بعض البغدادية [٤]، و عقلا عند غير الكعبي) من مذهب المعتزلة أن صاحب [٥] الكبيرة- بدون التوبة- مخلد في النار و إن
[١] في (ب) أقوال بدلا من (مقال).
[٢] سورة القلم آية رقم ٣٥.
[٣] في (ب) بزيادة لفظ (و الحال).
[٤] في (أ) الغدادية و هو تحريف.
[٥] في (ب) مرتكب بدلا من (صاحب).