شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٤
القول بخلاف ذلك الى المعتزلة إلا أن المتأخرين منهم يعدون ذلك نسخا، و يخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا، و يجوزون الخلف في الوعيد.
و يقولون: الكذب يكون في الماضي دون المستقبل. و هذا ظاهر الفساد. فإن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب سواء كان في الماضي أو في المستقبل. قال اللّه تعالى:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [١] ثم قال: وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [٢] على أن المذهب عندنا أن إخبار اللّه تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان، و لا يتغير بتغيير المخبر به على ما سبق في بحث الكلام.
فإن قيل: فعليه ما ذكرتم يكون حكم العام هو التوقف حتى يظهر دليل الخصوص.
قلنا: لا، بل يجرى على عمومه في حق العمل. بل و في حق وجوب اعتقاد العموم، دون فرضيته. و هذا البحث مستوفى في أصول الفقه. و قد بسط الكلام فيه صاحب التبصرة بعض البسط، و للإمام الرازي هاهنا جواب إلزامي و هو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا، امتنع كذبه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. و أما عندكم فإن امتنع كذبه لكونه قبيحا فلم قلتم: إن هذا الكذب قبيح، و قد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم؟ و هذا كمن أخبر [٣] أنه يقتل زيدا غدا ظلما، ففي الغد، إما أن يكون الحسن قتله، و هو باطل، و إما ترك قتله، و هو الحق. لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب. و ما لا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا. فهذا الكذب حسن قطعا، و يمكن دفعه بأن الكذب في إخبار اللّه تعالى قبيح و إن تضمن وجوها من المصلحة، و توقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى و مطاعن في
[١] سورة الحشر آية رقم ١١.
[٢] سورة الحشر آية رقم ١٢.
[٣] في (ب) قال بدلا من (أخبر).