شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٥٣
في الإخبار. و اللازم باطل فكذا الملزوم.
و أجيب بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب و دخول الجنة على ما مر.
و الخلف في الوعد لؤم لا يليق بالكريم وفاقا [١]، بخلاف الخلف في الوعيد، فإنه ربما يعد كرما. و القول بالإحباط و بطلان استحقاق الثواب بالمعصية فاسد كما مر، فكيف كان ترك عقابهم بالنار خلفا مذموما و لم يكن ترك ثوابهم بالجنة كذلك؟
و الدفع بأنه لو صح أن يخلف الوعيد لصح أن يسمى مخلفا، ليس بشيء لأن كثيرا من أفعاله بهذه الحيثية [٢]. أعني لا يصح إطلاق اسم الفاعل منها عليه، لإيهام النقص. كما أنه يتكلم بالمجاز، و لا يسمى متجوزا. و كذا لا يسمى ماكرا و مستهزئا، و نحو ذلك، بل مع أنه ينجز و عد الثواب لا يسمى منجزا. نعم لزوم الكذب في إخبار اللّه تعالى، مع الإجماع على بطلانه و لزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل. فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ، بمنزلة الثابت.
فإن قيل: صيغة العموم المتعرية عن دليل الخصوص تدل على إرادة كل فرد مما يتناوله اللفظ، بمنزلة التنصيص عليه باسمه الخاص. فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا، و هو لا يجري في الخبر للزوم الكذب. و إنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم، و لا يكون ذلك إلا بدليل متصل.
قلنا: ممنوع، بل إرادة الخصوص من العام، و التقييد من المطلق شائع من غير دليل متصل. ثم دليل التخصيص و التقييد بعد ذلك، و إن كان متراخيا بيان لا نسخ.
و هذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية [٣]، و القدماء من الحنفية [٤]. و كانوا ينسبون
[١] في (ب) اتفاقا بدلا من (وفاقا).
[٢] في (ب) بهذه (الصفة) بدلا من (الحيثية).
[٣] أصحاب محمد بن إدريس الشافعي- رضي اللّه عنه و قد سبق الحديث عنهم في كلمة مستفيضة في الجزء الأول.
[٤] أصحاب النعمان بن ثابت صاحب مدرسة الرأي في الفقه الإسلامي.