شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٤٣
خالصة دائمة مع التعظيم، و العقاب مضرة خالصة دائمة مع الإهانة.
قلنا: لا نسلم لزوم قيد الخلوص و الدوام، سيما في جانب العقاب و حتى لا يتنافى الثواب و العقاب بأن يعاقب حينا ثم يثاب، و لو سلم فلا يلزم تنافي الاستحقاقين بأن يستحق المنفعة الدائمة من جهة الطاعة، و المضرة الدائمة من جهة المعصية. و لو سلم، فليس إبطال الحسنة بالسيئة أولى من العكس، كيف و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [١] و حكم بأن السيئة لا تجزى إلا بمثلها، و الحسنة تجزى بعشرة أمثالها إلى سبعمائة و أكثر.
قالوا: الإحباط مصرح في التنزيل كقوله تعالى: وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [٢] و أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [٣] و لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى [٤] قلنا: لا بالمعنى الذي قصد، ثم بل بمعنى أن من عمل عملا صالحا استحق به الذم، و كان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح و الثواب، يقال إنه أحبط عمله كالصدقة مع المن و الأذى و بدونهما. و أما إحباط الطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة. فليس من المتنازع في شيء، و حين تنبه أبو علي و أبو هاشم لفساد هذا الرأي، رجعا عن التمادي بعض الرجوع. فقالا:
إن المعاصي إنما تحبط الطاعات إذا أربت عليها. و إن أربت الطاعات أحبطت المعاصي [٥]. ثم ليس النظر إلى أعداد الطاعات و المعاصي بل إلى مقادير الأوزار، و لا وجود، فرب كبيرة يغلب وزرها أجور طاعات كثيرة، و لا سبيل إلى
[١] سورة هود آية رقم ١١٤.
[٢] سورة الحجرات آية رقم ٢.
[٣] سورة التوبة آية رقم ١٧.
[٤] سورة البقرة آية رقم ٢٦٤.
[٥] قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ.