شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٤١
كون الفعل حسنة و امتثالا باق، و لأنه يوجب منافاة الكبيرة لصحة الطاعة كالردة.
قالوا: الثواب منفعة خالصة دائمة مع التعظيم و العقاب، مضرة خالصة دائمة مع الإهانة، فلا يجتمعان استحقاقا.
قلنا: لو سلم لزوم قيد الخلوص و الدوام، فلا يوجب تنافي الاستحقاقين، و لو سلم فليس إبطال الحسنة بالسيئة أولى من العكس، كيف و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ و ذهب الجبائيان إلى أن أيا من الطاعات و المعاصي أربت قدرا بحسب الأجر و الوزر لا عددا حبطت الأخرى، ثم زعم أبو علي أن الأقل يسقط. و لا يسقط من الأكثر شيئا، و هذا هو الإحباط المحض، و أبو هاشم أنه يسقط، و يسقط من الأكثر ما يقابله. و هذا هو الموازنة، و اختلفوا في أن ذلك يعتبر بين الفعلين، أعني الطاعة و المعصية، أو المستحقين، أعني الثواب و العقاب، أو الاستحقاقين، و استدلوا على الإحباط في الجملة بمثل قوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [١] أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [٢] لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى [٣] لكنه لا يثبت ما هو المتنازع من بطلان حسنة كاملة بسيئة سابقة أو لا حقة، فضلا عن تفضيل الجانبين، و استدل الإمام على بطلان، أمّا على رأي أبي علي فلأنه تلغو الطاعة السابقة، و هو ظلم عندكم. و ينتفى بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [٤] مع ما فيه من الترجح بلا مرجح، و أما على رأي أبي هاشم فلأن طرآن الحادث مشروط بزوال السابق، فزواله به دور لأنه لا أولوية لبعض أجزاء الكبير، فيلزم أن يفنى بكليته، و لأن زوال كل بالآخر دفعة يوجب وجودهما حال عدمهما لوجود العلة حال حدوث المعلول. و على التعاقب يوجب حدوث المعلول بلا علته.
[١] سورة الحجرات آية رقم ٢.
[٢] سورة التوبة آية رقم ١٧.
[٣] سورة البقرة آية رقم ٢٦٤.
[٤] سورة الزلزلة آية رقم ٧.