شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٣٧
الثالث- و هو على قاعدة الاعتزال، أن من واظب على الإيمان و العمل الصالح مائة سنة، و صدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة كشرب جرعة من الخمر، فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد. و لو لم يكن هذا ظلما، فلا ظلم، أو لم يستحق بهذا ذما، فلا ذم.
الرابع- أن المعصية متناهية زمانا، و هو ظاهر و قدرا لما يوجد من معصية أشد منها فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا تحقيقا لقاعدة العدل بخلاف الكفر، فإنه لا يتناهى قدرا، و إن تناهى زمانه. و أما التمسك بأن الخلود في النار أشد العذاب و قد جعل جزاء لأشد الجنايات- و هو الكفر- فلا يصح جعله جزاء بما هو دونه كالمعاصي. فربما يدفع بتفاوت مراتب العذاب في الشدة، و إن تساوت في عدم الانقطاع.
الخامس- أنه استحق الثواب بالإيمان و الطاعات عقلا عندكم و وعدا عندنا.
و لا يزول ذلك الاستحقاق بارتكاب الكبيرة لما سيجيء، فيكون لزوم اتصال الثواب إليه بحالة. و ما ذاك إلا بالخروج من النار و الدخول في الجنة، و هو المطلوب. و احتجت المعتزلة بوجوه:
الأول- الآيات الدالة على الخلود المتناولة ما للكافر و غيره كقوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [١] و قوله: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [٢] و قوله: وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [٣].
و مثل هذا مسوق للتأبيد و نفي الخروج. و قوله: وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ.
[١] سورة الجن آية رقم ٢٣.
[٢] سورة النساء آية رقم ٩٣.
[٣] سورة السجدة آية رقم ٢.