شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٣٢
توبة فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو أو العقاب، بل إن شاء اللّه عفا، و إن شاء عذب، لكن لا يخلد في النار. و عند المعتزلة القطع بالخلود في النار. و لا عبر لقول مقاتل. و لبعض المرجئة [١]: إن عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلا، و إنما النار للكفار- لنا وجوه:
الأول- النصوص الدالة على دخول المؤمنين الجنة و ليس قبل دخول النار وفاقا، بل بعده أو بدونه.
الثاني- النصوص الدالة على خروجهم من النار.
الثالث- أن من واظب على الطاعات مائة سنة و شرب جرعة من الخمر، فلو لم يكن تخليده في النار ظلما عندكم، فلا ظلم.
الرابع- أن المعصية متناهية زمانا و قدرا، فجزاؤها كذلك تحقيقا للعدل.
الخامس أن استحقاقه الثواب وعدا أو عقلا لا يزول بالكبيرة لما سيأتي، و لا يتصور إلا بالخروج من النار. احتجت المعتزلة بوجوه:
الأول- عمومات الوعيد بالخلود: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [٢] وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [٣] وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [٤] وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [٥]
[١] هي فرقة ميزت بين الأعمال و الإيمان، فالإيمان في نظرها هو التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان، و ليس من الضروري أن يصدر عنه العمل، فالمسلم العاصي الذي ارتكب الكبائر و ضيع الفرائض سوف يتولى اللّه سبحانه و تعالى حسابه في الآخرة و أن الخلود في النار خاص بالكفار فقط و قيل:
سمّوا مرجئة لأنهم يرجون الجنة بغير عمل، و أشهر فرقهم هي الينوسية و الغسانية، و ظهر هذا الاتجاه قويا في عهد الأمويين.
[٢] سورة الجن آية رقم ٢٣.
[٣] سورة النساء آية رقم ٩٣.
[٤] سورة السجدة آية رقم ٢٠.
[٥] سورة الانفطار آية رقم ١٤.