شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٣١
فإن قيل: ثواب أهل الجنة يشوبه شوق كل ذي مرتبة إلى ما فوقها، و مشقة وجوب شكر المنعم و ترك القبائح. و عقاب أهل النار يشوبه ثواب ترك القبائح فيها.
أجيب بأن كل ذي مرتبة في الجنة يكون فرحا بما عنده، لا يطلب الأعلى، و يعد الشكر لذة و سرورا لا يحصى، و يكون في شغل شاغل عن القبائح و ذكرها، و التألم بتركها. و أهل النار لا يثابون لكونهم مضطرين إلى ترك القبائح.
و منها اختلافهم في وقت استحقاق الثواب و العقاب. فعند البصرية حالة الطاعة و المعصية، و عند البغدادية في الآخرة، و قيل: في حال الاخترام، و قيل: وقت الفعل بشرط الموافاة، و هو أن لا تحبط الطاعة و المعصية الى الموت. و ليس لأحدهم تمسك يعول عليه سوى ما قيل بأن المدح و الذم يثبتان حال الفعل. فكذا الثواب و العقاب لكونهما من موجبات الفعل مثلهما. و إنما حسن تأخير تمام الثواب إلى دار الآخرة لمانع، و هو لزوم الجمع بين المتنافيين. فإن من شرط الثواب الخلوص عن شوب المشاق، و من لوازم التكليف الشوب بها. و تمسك الآخرون بالنصوص المقتضية لتأخير الأجزية، و بلزوم الجمع بين المتنافيين كما ذكر، و لا خفاء في أن ذلك لا ينافي ثبوت الاستحقاق في دار التكليف. و الظاهر أن مراد الأولين ثبوت أصل الاستحقاق، و مراد الآخرين وجوب الأداء، و قال بعضهم: الحق أن التكليف لا يجامع كل الجزاء للزوم المحال. بخلاف البعض كتعظيم المؤمن، و نصرته على الأعداء، و كالحدود فإنه بجامع التكليف، فلم يجب تأخيره.
[المبحث العاشر الخلود فى الآخرة]
(قال: المبحث العاشر- المبحث العاشر- لا خلاف في خلود من يدخل الجنة و لا في خلود الكافر عنادا أو اعتقادا في النار، و إن بالغ في الاجتهاد لدخوله في العمومات، و لا عبرة بخلاف الجاحظ و العنبري، و كذا الكافر حكما كأطفال المشركين، خلافا للمعتزلة، حيث جعلوا تعذيبهم ظلما، فهم خدم أهل الجنة.
و قيل: من علم اللّه منه الإيمان و الطاعة، على تقدير البلوغ ففي الجنة. و من علم منه الكفر و المعصية ففي النار. و أما من ارتكب الكبيرة من المؤمنين، و مات بلا