شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢٤
و ضعفها، و في سرعة الزوال و بطئه، فيختلف العذاب بها في الكم [١] و الكيف [٢] بحسب الاختلافين، و هذا إذا عرفت النفس أن لها كمالا فاتها لاكتسابها ما يضاد الكمال، أو لاشتغالها بما يصرفها عن اكتساب الكمال، أو لتكاسلها في اقتناء الكمال، و عدم اشتغالها بشيء من العلوم. و أما النفوس السليمة الخالية عن الكمال، و عما يضاده، و عن الشوق الى الكمال، فتبقى في سعة من رحمة اللّه تعالى، خالصة من البدن إلى سعادة تليق بها، غير متألمة بما يتأذى به الأشقياء، إلا أنه ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك، فلا بد أن تتعلق بأجسام أخر لما أنها لا تدرك إلا بالآلات الجسمانية، و حينئذ إما أن تصير مبادي صور لها، و تكون نفوسا لها، و هذا هو القول بالتناسخ، و إما أن لا تصير، و هذا هو الذي مال إليه ابن سينا [٣] و الفارابي [٤] من أنها تتعلق بأجرام سماوية، لا على أن تكون نفوسا لها مدبرة لأمورها، بل على أن تستعملها لإمكان التخيل، ثم تتخيل الصور التي كانت معتدة عندها، و في وهمها، فتشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما تتخيلها.
[١] الكم: هو العرض الذي يقتضي الانقسام لذاته و هو إما متصل أو منفصل لأن أجزاءه إما أن تشترك في حدود يكون كل منها نهاية جزء و بداية آخر و هو المتصل أو لا و هو المنفصل، و المتصل إما قار الذات مجتمع الأجزاء في الوجود و هو المقدار المنقسم إلى الخط و السطح و الثخن و هو الجسم التعليمي أو غير قار الذات و هو الزمان و المنفصل هو العدد فقط كالعشرين و الثلاثين.
[٢] الكيف هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمة و لا نسبة لذاته فقوله هيئة يشمل الأعراض كلها، و قوله قارة في الشيء احتراز عن الهيئة الغير قارة كالحركة و الزمان و الفعل و الانفعال، و قوله لا يقتضي قسمة، يخرج الكم، و قوله لا نسبة، يخرج الأعم إلخ.
[٣] هو الحسين بن عبد اللّه بن سينا أبو علي شرف الملك الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب، و المنطق و الطبيعيات و الإلهيات، أصله من بلخ، و مولده في إحدى قرى بخاري نشأ و تعلم فيها، و طاف البلاد، و ناظر العلماء و اتسعت شهرته و تقلد الوزارة في همذان و ثار عليه عسكرها و نهبوا بيته فتوارى ثم صار إلى أصفهان و صنف بها أكثر كتبه، و عاد في آخر عمره إلى همذان فمرض في الطريق، و مات بها عام ٤٢٨ ه.
[٤] هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ أبو نصر الفارابي و يعرف بالمعلم الثاني أكبر فلاسفة المسلمين تركي الأصل مستعرب ولد في فاراب (على نهر جيحون) و انتقل إلى بغداد فنشأ فيها و ألف بها أكثر كتبه و رحل إلى مصر و الشام، و اتصل بسيف الدولة ابن حمدان و توفي بدمشق عام ٣٣٩ ه كان يحسن اليونانية و أكثر اللغات الشرقية المعروفة في عصره، و يقال إنّ الآلة المعروفة بالقانون من وضعه. راجع وفيات الأعيان ٢: ٧٦ و طبقات الأطباء ٢: ١٣٤ و آداب اللغة ٢: ٢١٣.