شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١١٤
بالاتفاق، و كقوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ [١] و الأحاديث المتواترة المعنى كقوله صلى اللّه عليه و سلّم: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» [٢] و كما روي أنه مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان ..» [٣]
الحديث. و كالحديث المعروف في الملكين اللذين يدخلان القبر، و معهما مرزبتان، فيسألان الميت عن ربه، و عن دينه، و عن نبيه .. إلى غير ذلك من الأخبار، و الآثار المسطورة في الكتب المشهورة. و قد تواتر عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم استعاذته من عذاب القبر، و استفاض ذلك في الأدعية المأثورة. تمسك المنكرون بالسمع و العقل. أما السمع، و هو للمعترفين بظواهر الشرائع فقوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [٤].
و لو كان في القبر حياة- و لا محالة- يعقبها موت إذ لا خلاف في إحياء الحشر لكان لهم قبل دخول الجنة موتتان لا موتة واحدة فقط.
فإن قيل: ما معنى هذا الاستثناء، و معلوم أن لا موت في الجنة اصلا، و لو فرض فلا يتصور ذوق الموتة الأولى فيها.
قلنا: هو منقطع. أي لكن ذاقوا الموتة الأولى، أو متصل على قصد المبالغة في عدم انقطاع نعيم الجنة بالموت، بمنزلة تعليقه بالمحال، أي لو أمكنت فيها موتة، لكانت الموتة الأولى التي مضت و انقضت، لكن ذلك محال.
فإن قيل: وصف الموتة بالأولى يشعر بموتة ثانية، و ليست إلا بعد إحياء القبر،
[١] سورة آل عمران آية رقم ١٦٩.
[٢] سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء.
[٣] الحديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الوضوء ٥٥، ٥٦ و كتاب الجنائز ٨٩، و الأدب ٤٦، ٤٩ و رواه الإمام مسلم في كتاب الطهارة ١١١، و أبو داود في كتاب الطهارة ١١ و الترمذي في كتاب الطهارة ٥٣ و النسائي في كتاب الطهارة ٢٦، ١١٦، و ابن ماجه في كتاب الطهارة ٢٦ و الدارمي في الوضوء ٦١ و أحمد بن حنبل في المسند ١: ٢٥٥، ٥: ٣٥، ٣٩.
[٤] سورة الدخان آية رقم ٥٦.