شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١١٠
اما الأول، فلأنه لا يتصور في أفلاكه لامتناع الخرق و الالتيام عليها، و حصول العنصريات فيها، و هبوط آدم منها، و لا في عنصرياته لأنها لا تسع جنة عرضها كعرض السماء و الأرض، و لأنه لا معنى للتناسخ [١] إلا عود الأرواح إلى الأبدان، مع بقائها في عالم العناصر.
و أما الثاني فلأنه لا بد في ذلك العالم أيضا من جهات مختلفة، إنما تتحد بالمحيط و المركز فيكون كريا فلا يلاقي هذا العالم إلا بنقطة، فيلزم بين العالمين خلاء [٢] و قد تبين استحالته، و لأنه يشتمل- لا محالة- على عناصر لها فيه أحياز طبيعية، فيكون لعنصر واحد حيزان طبيعيان، و يلزم سكون كل عنصر في حيزه الذي في ذلك العالم، لكونه طبيعيا له، و حركته عنه إلى حيّزه الذي في هذا العالم لكونه خارجا عنه. و اجتماع الحركة و السكون محال. و إن لم يلزم الحركة و السكون، فلا أقل من لزوم الميل إليه و عنه، و لأنه لا محالة يكون في جهة من محدد هذا العالم، و المحدد في جهة منه، فيلزم تحدد الجهة قبله لا به، مع لزوم الترجح بلا مرجح، لاستواء الجهات.
و الجواب- أن مبنى ذلك على أصول فلسفية، غير مسلمة عندنا، كاستحالة الخلاء، و امتناع الخرق و الالتيام، و نفي القادر المختار الذي بقدرته و إرادته تحديد الجهات، و ترجيح المتساويات إلى غير ذلك من المقدمات، على أن ما ادعوا تحدده بالمحيط و المركز إنما هو جهة العلو و السفل لا غير، و دليلهم على امتناع الخرق إنما قام في المحدد لا غير. و كون العالمين في محيط بهما بمنزلة تدويرين في ثخن فلك، لا يستلزم الخلاء، و لا يمتنع كون عناصر العالمين مختلفة الطبائع، و لا كون تحيزهما في أحد العالمين غير طبيعي. و ليس التناسخ عود الأرواح إلى
[١] في (ب) النسخ بدلا من (التناسخ).
[٢] الخلاء: هو البعد المفطور عند افلاطون، و الفضاء الموهوم عند المتكلمين أي الفضاء الذي يثبته الوهم و يدركه من الجسم المحيط بجسم آخر كالقضاء المشغول بالماء أو الهواء في داخل الكوز فهذا الفراغ الموهوم هو الذي من شأنه أن يحصل فيه الجسم، و ان يكون ظرفا له عندهم و بهذا الاعتبار يجعلونه حيزا و باعتبار فراغه من شغل الجسم إياه يجعلونه خلاء، فالخلاء عندهم هو هذا الفراغ مع قيد أن لا يشغله شاغل من الأجسام فيكون لا شيئا محضا، و الحكماء ذاهبون إلى امتناع الخلاء و المتكلمون إلى إمكانه.