شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٠٤
و أجيب بالمنع، بل هو خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع به عندها كما يقال:
فني زاد القوم و فني الطعام و الشراب و لهذا يستعمل في الموت مثل: أفناهم الحرب.
و قيل معنى الآية كل من على وجه الأرض من الأحياء فهو ميت.
قال الإمام الرازي [١]: و لو سلم كون الهلاك و الفناء بمعنى العدم، فلا بد في الآيتين من تأويل، إذ لو حملتا على ظاهرهما، لزم كون الكل هالكا فانيا في الحال، و ليس كذلك. و ليس التأويل بكونه آئلا إلى العدم على ما ذكرتم أولى من التأويل بكونه قابلا له، و هذا منه إشارة إلى ما اتفق عليه أئمة العربية من كون اسم الفاعل و نحوه مجازا في الاستقبال، و أنه لا بد من الاتصاف بالمعنى المشتق منه:
و إنما الخلاف في أنه هل يشترط بقاء ذلك المعنى؟ و قد توهم صاحب التلخيص أنه كالمضارع مشترك بين الحال و الاستقبال. فاعترض بأن حمله على الاستقبال ليس تأويلا و صرفا عن الظاهر.
قال: احتج الآخرون.
(احتج الآخرون بوجوه:
الأول- أن المعاد بعد العدم ليس هو المبتدأ بعينه، فلا يكون الجزاء واصلا إلى مستحقه، و قد عرفت ضعفه.
الثاني- و هو المعتزلة، أنه لا يتصور في الإعدام غرض، إذ لا منفعة فيه لأحد، و لا يصلح جزاء الفعل.
و أجيب بأن من الغرض اللطف للمكلف، و إظهار العظمة و الاستغناء، و التفرد بالدوام و البقاء.
الثالث- الآيات المشعرة بأن النشور بالإحياء بعد الموت، و الجمع بعد التفرق: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [٢] أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [٣] كَذلِكَ النُّشُورُ [٤] وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ [٥] إلى غير ذلك.
[١] سبق الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء.
[٢] سورة البقرة آية رقم ٢٦٠.
[٣] سورة البقرة آية رقم ٢٥٩.
[٤] سورة فاطر آية رقم ٩.
[٥] سورة الروم آية رقم ١٩.