الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٦٨
فهناك الحياة الآخرة، وحياة البرزخ، والحياة في هذه الدنيا. وهناك الحياة في الخزائن الإلهية التي لا حد لها. وإنما يتحدد الإنسان وغيره من المخلوقات ويُقدَّر بعد خروجه من الخزائن. ونزوله إلى الدنيا.
كما أن إخراج الله للإنسان من الخزائن، وإيجاده في الدنيا، يكون بإفاضة دفعية، بكلمة (كن)، فيأخذ أحكام الدنيا في تدرجه وفي حالاته وتلحقه أحكامها، ويخضع لنظمها. ويتكامل تدريجاً، إلى أن يحين نقله إلى العالم الآخر وهو عالم البرزخ، فتتبدل حالاته بما يتناسب مع أحوال عالمه الجديد، ويخضع لنظمه، وتلحقه أحكامه. إلى أن ينتهي إلى عالم الآخرة. وكل ذلك يكون بصورة تدريجية.
ولكن للإنسان من جهة أخرى وجه آخر، وهو حضوره لدى الله تعالى في خزائنه. وهو عالم آخر لهذا الإنسان غير عالم الدنيا. له أيضاً نظمه وأحكامه، فهو حضور دائم بين يدي الله، لا يعرض له التدرج، ولا الانتقال من حالة إلى أخرى، ولا يخضع في حضوره هذا لعوارض الزمان. وهذا هو عالم الملكوت، الذي أراه الله تعالى لإبراهيم في قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}[١].
فإذا كان الوجه الدنيوي ـ كما يقول العلامة الطباطبائي ـ الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني يفرق بين الآحاد، ويشتت الأحوال والأعمال، ويفرقها على قطعات الزمان، ويحجب الإنسان عن ربه. ويشغله بالماديات
[١] الآية٧٥ من سورة الأنعام.