الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٥ - هيكل يخطئ في تصويراته و تصوراته
أضف إلى ما تقدم: أنه لو كان الأمر كذلك لم يقل: «هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ» بل كان عليه أن يقول: و ابتليتم. فكلمة «هنالك» تشير إلى أن الابتلاء للمؤمنين قد حصل حينما ظننتم باللّه الظنون، و بلغت قلوبكم حناجركم.
على أن من الواضح: أن ظن الظنون باللّه لا ينسجم مع الإيمان بل هو ينافيه. و قد تحدث تعالى عن المؤمنين فذكر أنهم لم يظنوا الظنون هنا، بل زاد إيمانهم عمقا و رسوخا.
فقال تعالى: وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً، مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [١].
بقي أن نشير هنا: إلى أن المراد بابتلاء المؤمنين هو أن مسؤولياتهم أصبحت أكبر و أخطر من ذي قبل، و أصبحت كل المصائب و الآلام الناتجة عن هذا الحصار، من انهزام المسلمين روحيا، و الخوف على الذراري و النساء، و ما صاحب ذلك من تحمل مشقات و جهد و سهر-إن ذلك كله- قد انصب على رؤوس ثلة قليلة مجاهدة صابرة، قد لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين أو حتى اليد الواحدة.
إذ إن من الغني عن البيان: أن تحقيق وعد اللّه و رسوله لهم بالنصر، لا يعني أن لا يتحملوا المشقات و المصاعب و الآلام الكبيرة و أن لا يبتليهم بالمواجهات الخطيرة، التي تصل إلى درجة الاستشهاد بالنسبة إلى بعض
[١] الآيتان ٢٢ و ٢٣ من سورة الأحزاب.