الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٤٣ - الخصال الثلاث
درجات السداد، و في منتهى الموضوعية و النصفة. و تركت عمروا يبوء بعار البغي، و العدوان، و التجني بلا مبرر، و لا سبب على الإطلاق.
فلم يفرض عليه أن يسلم فقط، بل هو كما عرض عليه أن يسلم من منطلق الإنصاف في الدعوة، و لإعطائه فرصة أخيرة لينقذ نفسه من النار، فإنه أيضا يقدم له خيارا آخر لا يتعارض مع رغاتبه و طموحاته، و لا مع آرائه و معتقداته، و هو أن يرجع عن حرب محمد و المسلمين. ثم قدم له ما يثير اهتمامه، و يقربه إلى اختيار هذه الخصلة مثيرا أمامه ما يوجب إعادة النظر في صوابية القرار الذي اتخذه في خصومته لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، مستثيرا في نفسه نوازع الطموح و مستحثا في داخله المشاعر القبلية التي ينزع إليها، و يعتمد عليها، حين ذكر له: أنه إن يكن محمد صادقا كان أسعد الناس به، و إن يك كاذبا كفتهم ذؤبان العرب أمره.
و في كلمته الأخيرة تلويح يقرب من التصريح بما يراود النفوس عادة من حب السلامة و الراحة و الابتعاد عن المشاكل و المخاطر.
و لكن ما احتج به عمرو لاتخاذه قراره برفض هذا الخصلة الثانية ما كان غير سراب خادع ينطلق من غرور و عنجهية لا مبرر لهما، إلا روح الاستكبار و البغي و التجني و الظلم الذي جره بالتالي إلى الخزي و الخسران في الدنيا و في الآخرة، و ساء للظالمين بدلا.
و لم يبق أمام أمير المؤمنين «عليه السلام» إلا أن يبادر إلى دفع غائلة هذا الظالم المتجبر فكان النصر على يديه، و كانت ضربته له التي تعدل عبادة الثقلين.