الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٩
تعريفان ناقصان للعبادة
أ ـ العبادة: «خضوع وتذلّل».
وقد ورد هذا التعريف في كتب اللّغة، ولكنه لا يعكس المعنى الحقيقي للعبادة الّذي نردده في قولنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وإنما هو معنى مجازي لمناسبة ما يلازم العبادة الحقيقية عادة من إظهار الخضوع والتذلّل. وقد استعملت العبادة في هذا المعنى المجازي في القرآن الكريم في حكايته قول موسى ـ عليه السَّلام ـ : (وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)[١] ويدلنا على أنَّ هذا المعنى ليس حقيقياً للعبادة أمران:
الأول: لو كانت العبادة مرادفة في المعنى للخضوع والتذلّل، لما أمكننا أنْ نعتبر أي إنسان موحداً لله لأن البشر بفطرته ـ يخضع لمن يتفوق عليه، معنوياً أو مادياً، كالتلميذ يخضع لأُستاذه، والولد لوالديه، والمحب لحبيبه، والمستعطي لمعطيه.
الثاني: إنَّ القرآن الكريم يأمر الإِنسان بأنْ يتذلّل لوالديه فيقول: (وَ اخْفِضْ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)[٢] فلو كان الخضوع والتذلّل معناه عبادة مَنْ تَذَلّلت له، لاستلزم الحكم بكفر من يَبرّ والديه، والحكم بتوحيد من يَعق والديه.
ب ـ العبادةُ «نهاية الخضوع».
لقد حاول بعض المفسرين بعد أن أدركوا نقصان تعريف اللغويين للعبادة ـ ترميم هذا النقص وإصلاحه فقالوا: «العبادة: نهاية الخضوع بين يدي من تدرك عظمته وكماله». وهذا التعريف يشترك مع سابقه في النقص والإِشكال وذلك:
[١] سورة الشعراء: الآية ٢٢.
[٢] سورة الإسراء: الآية ٢٤.