الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٨
الوجه الثالث: إنَّ القول بحاجة الممكن إلى العلة في حدوثه دون بقائه غفلة عن واقعية المعلول و نسبته إلى علّته فإن وزانه إليها وزان المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الإِسمي. فكما أنَّه ليس للأول الخروج عن إطار الثاني في المراحل الثلاث: التصوّر، و الدّلالة، و التحقّق، فهكذا المعلول ليس له الخروج عن إطار العلّة في حال من الحالين الحدوث و البقاء [١] .
فإذا كان هذا حال المقاس عليه فاستوضح منه حال المقاس، فإنَّ المفاض منه سبحانه هو الوجود و هو لا يخلو عن إحدى حالتين: إمَّا وجود واجب أو ممكن، و الأول خلف لأن المفروض كونه معلولا، فثبت الثاني، و ما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمَّا هو عليه (الإمكان) فكما هو ممكن حدوثاً، ممكن بقاء، و مثل ذلك لا يستغني عن الواجب في حال من الحالات لأن الإِستغناء آية انقلابه عن الإِمكان إلى الوجوب، و عن الفقر إلى الغنى.
نعم، ما ذكرنا من النسبة إنما يجري في العلل، و المعاليل الإلهية لا الفواعل الطبيعية، فالمعلول الإلهي بالنسبة إلى علته هو ما ذكرنا، و المراد من العلّة الإلهية، مفيض الوجود و معطيه كالنفس بالنسبة إلى الصور التي تخلقها في ضميرها، و الإِرادة التي توجدها في موطنها، ففي مثل هذه المعاليل، تكون نسبة المعلول إلى العلّة، كنسبة المعنى الحرفي إلى الإِسمي.
و أمَّا الفاعل الطبيعي، كالنار بالنسبة إلى الإِحراق، فخارج عن إطار بحثنا، إذ ليس هناك عليّة حقيقية، بل حديث العلية هناك لا يتجاوز عن تبديل أجزاء النار إلى الحرارة. و ذلك كما هو الحال في العلل الفيزيائية
[١] سيوافيك توضيح هذا التشبيه عند البحث عن المنهج الثالث للإِختيار و هو القول بالأمر بين الأمرين.