الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٧
ويقابل ذلك، القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد. فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ من دون أن ينبع من الإِعتقاد بألوهيته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً. مثل سجود العاشق للمعشوقة أو المرأة لزوجها، فإنه وإن كان حراماً في الشريعة الإِسلامية لكنه ليس عبادة بل حرمته لوجه آخر فالعبادة والتحريم شيئان.
ومن هذا البيان يتضح جواب سؤال يطرح نفسه في هذا المقام وهو: إذا كان الاعتقاد بالألوهية أو الربوبية أو التفويض، شرطاً في تحقق العبادة فيلزم من ذلك جواز السجود لأي شخص من دون ضمّ هذه النية.
ويجاب عليه: بأنَّ السجود حيث إنَّه وسيلة عامة للعبادة، وحيث إنَّ الله تعالى يُعبد بها عند جميع الأقوام والملل والشعوب، وصار بحيث لا يراد منه إلاّ العبادة، لذلك لم يسمح الإِسلام بأنْ يستفاد من هذه الوسيلة العالمية حتى في الموارد الّتي لا تكون عبادة. وهذا التحريم إنما هو من خصائص الإسلام إذ لم يكن حراماً قبله، وإلاّ لما سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف ـ عليه السَّلام ـ إذ يقول عز وجل: (وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً)[١]. ومن هذا القبيل سجود الملائكة لآدم كما يقول سبحانه: (وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدمَ ...)[٢] فإنه لم يكن إلاّ سجود تكريم واحترام.
قال الجصاص: «قد كان السجود جائزاً في شريعة آدم ـ عليه السَّلام ـ للمخلوقين ويشبه أنْ يكون قد كان باقياً إلى زمان يوسف ـ عليه السَّلام ـ فكان فيما بينهم لمن يستحق ضرباً من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله، بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا، وبمنزلة تقبيل اليد، وقد روي عن النبي ـ عليه السَّلام ـ في إباحة تقبيل اليد أخبار، وقد روي الكراهة إلاَّ أنَّ السجود
[١] سورة يوسف: الآية ١٠٠.
[٢] سورة البقرة: الآية ٣٤.